رأي

أشرف عثمان يكتب.. كشف حساب العمر.. فضفضة مع نفسي في عام جديد

اليوم أبدأ عامًا جديدًا من عمري.. ولا أعرف لماذا أشعر هذه المرة أنني لا أريد الاحتفال بقدر ما أريد أن أجلس مع نفسي، بعيدًا عن ضجيج الحياة ومجاملات الناس، لأفتح دفاتر العمر، لا لأحصي السنوات التي مضت، بل لأفهم ماذا فعلت بي هذه السنوات، وماذا فعلت أنا بها.

وقبل كل شيء، أتقدم بخالص الشكر والامتنان لكل من تذكرني وهنأني بعيد ميلادي، ولكل من أهداني كلمة طيبة أو دعوة صادقة أو رسالة أسعدت قلبي. لقد منحتني تهانيكم شعورًا جميلًا بأن للإنسان في قلوب الآخرين مكانًا، وأن أجمل ما يتركه المرء في حياته ليس ما يملكه، بل ما يبقى منه في نفوس الناس.

أشعر أن ما تبقى من العمر، مهما طال، أقل بكثير مما مضى. لم تعد السنوات مجرد أرقام نضيفها إلى أعمارنا، بل أصبحت تذكيرًا بأن الوقت أثمن من أن نهدره في معارك لا تستحق، أو خصومات لا تغير شيئًا، أو انتظار تقدير من أشخاص ربما لم يعرفوا يومًا كيف يقدّروننا.

أقف اليوم أمام نفسي وأسألها: ماذا فعلت بكل هذا العمر؟ هل عشت كما ينبغي، أم انشغلت بإدارة الحياة ومسؤولياتها، حتى نسيت أحيانًا أن أعيشها؟

أبي الذي أراه في مرآتي.. وابني الذي أرى فيه طفولتي

من أغرب ما يفعله العمر بنا أنه يعيد إلينا وجوهنا القديمة في ملامح من نحب.

أنظر إلى ابني، فأرى شيئًا مني حين كنت طفلًا؛ براءتي القديمة، وأسئلتي، وأحلامي التي لم تكن تعرف حدود الممكن والمستحيل. ثم أعود بذاكرتي إلى أبي، فأراه في صوته وحضوره وقيمه، وفي أشياء كثيرة لم أدرك قيمتها إلا بعد أن كبرت.

كلما تقدمت في العمر، اكتشفت أن الأب لا يصبح مفهومًا بالكامل إلا حين يصبح ابنه أبًا. وأشعر أن أبي أفضل مني مليون مرة، ليس انتقاصًا من نفسي، بل إدراكًا لما حمله من مسؤوليات وتضحيات لم أستوعب أبعادها في صغري.

لكن السؤال الذي يطاردني اليوم: هل كانت طفولتي أفضل لأن أبي كان أفضل مني، أم أن طفولة ابني يمكن أن تكون أفضل لأنني تعلمت من أبي، ومن أخطائي، ومن الزمن؟

لا أريد لابني أن يكون نسخة مني، ولا أن يكرر أخطائي كي يتعلم. أريده أن يرث مني ما يستحق أن يُورث، وأن يكون أقوى في مواطن ضعفي، وأكثر رحمة في مواطن قسوتي، وأكثر اتزانًا في اختلافه مع الآخرين. أريد أن أحمل إليه قيم أبي، وأن أضيف إليها ما تعلمته من الحياة، حتى يمتد أثر الأجيال في بعضها بعضًا، ويصبح أبناؤنا أفضل حالًا ممن سبقوهم.

زوجتي.. شريكة العمر والحساب الأهم

وفي وسط هذه المراجعة، لا يمكنني أن أتجاوز زوجتي، شريكة الرحلة التي تقاسمت معي أيامها الحلوة والصعبة، وأعباء المسؤولية، وتقلبات الحياة، وما بين الطموح والقلق، والنجاح والإخفاق.

كم من تفاصيل مرت بنا لم يرها الآخرون، وكم من أعباء تحملناها مع

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى