تقدير موقف

مسارات الهجرة إلى أوروبا تفقد بوصلة ليبيا كطريق عبور

قال الكاتب والباحث السياسي في الشأن الدولي “أحمد عرابي” أن الهجرة غير القانونية نحو أوروبا عبر ليبيا شهد مسارها تراجعًا ملحوظًا خلال العامين السابقين، في وقت لم يعد فيه البحر الأبيض المتوسط الطريق الرئيسي لعبور المهاجرين إلى دول أوروبا، مع تغير خريطة طرق الهجرة باتجاه مسارات دولية غير سابقة، وحيث كشفت المنظمة الدولية للهجرة، عن تراجع تدفقات الهجرة غير الشرعية المنطلقة من ليبيا خلال الربع الأول من عام الجاري بنسبة سبعة عشر بالمئة، إلى جانب انخفاض حركة المهاجرين الوافدين إلى داخل البلاد بنسبة ثمانية بالمئة خلال الفترة نفسها.

وأوضح عرابي إن هذا التراجع يعود إلى عدة عوامل موسمية، من أبرزها تباطؤ الطلب على العمالة خلال بعض الفترات، وتراجع النشاط الاقتصادي خلال الفترة الماضية، إضافة إلى تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود ونقاط العبور، مع إرتفاع تكاليف النقل، خصوصاً في مناطق المسار الصحراوي عبر الجنوب الليبي، ويأتي هذا التراجع بعد سنوات كان فيها المسار الليبي يمثل أحد أبرز طرق الهجرة نحو القارة العجوز، خاصة خلال ذروة الفوضى الأمنية التي أعقبت العام إحدى عشر وألفين، حيث تحولت السواحل الليبية إلى نقطة انطلاق رئيسية لعشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من دول أفريقيا والشرق الأوسط لأوروبا.
فيما شهدت إرتفاعا ملحوظا في حركة المهاجرين عبر الحدود الغربية للبلاد مع كلاً من دولتي تونس والجزائر، حيث تضاعفت التدفقات للمهاجرين غير الشرعيين تقريبا مقارنة بالربع الأخير من عام الماضي عشرين خمسة وعشرين، مدفوعة بتوفر فرص عمل في قطاعي البناء والزراعة هناك.
وأشار الكاتب والباحث السياسي إلى ارتفاع التدفقات للمهاجرين عبر الحدود البرية مع الجزائرية بنسبة تسعة عشر بالمئة، وعبر الحدود التونسية بنسبة أربعة وعشرين بالمئة، وبيّن أن أربعة وثمانين بالمئة من المهاجرين ينحدرون من الجنوب من كل من السودان والنيجر ومصر وتشاد، مع استمرار تدفق السودانيين الفارين من النزاع المسلح في بلادهم، واعتمادهم على مسارات بديلة عبر مصر وتشاد بعد إغلاق المعابر الرسمية للبلاد، إلى جانب ظهور طرق جديدة للهجرة نحو أوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط.
يأتي هذا فيما سجلت إيطاليا، التي كانت تُعد البوابة الرئيسية للهجرة عبر السواحل الليبية تراجعًا كبيرًا في أعداد الوافدين والمهاجرين غير الشرعيين، من قرابة خمسة وستون ألف مهاجر خلال النصف الأول من عام 2023 إلى خمسة عشر ألفًا وثلاثمائة وواحد وتسعين مهاجرًا فقط خلال الفترة نفسها من عام الجاري ، وأرجع عرابي هذا الانخفاض إلى تشديد التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول شمال أفريقيا، وتعزيز الرقابة على السواحل، ضمن جهود تهدف إلى الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
وأوضح عرابي إن ملف الهجرة يعد من أبرز التحديات التي تواجه السلطات الليبية، إذ تشير تقديرات رسمية إلى وجود أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين داخل البلاد، معتبرين أن الأسباب التي دفعت إلى استهداف رعايا دول كلاً من السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال تحديداً، بإعتبارها دول تعد من أبرز مصادر تدفقات الهجرة غير النظامية الوافدة إلى ليبيا عبر الحدود الجنوبية والشرقية للبلاد، حيث لا تزال الهجرة غير النظامية تشكل ضغطا على المؤسسات في مختلف أنحاء ليبيا، غير أن الهجرة تمثل جانبا واحدا فقط من تحد أشمل يتداخل فيه أمن الحدود، وشبكات الاتجار بالبشر، وحالة عدم الاستقرار الإقليمي، فضلا عن استمرار الانقسام السياسي في ليبيا، غير أن قرار حظر دخول مواطني بعض الدول إلى ليبيا يهدف بالدرجة الأولى إلى الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وتنظيم أوضاع الوافدين الراغبين في العمل داخل البلاد بما يضمن حقوقهم القانونية، فضلا عن الحد من محاولات الهجرة البحرية غير الآمنة التي تسببت في فقدان أعداد كبيرة من المهاجرين في عرض البحر.
وأضاف عرابي أن السلطات الليبية وجدت نفسها مع كثرة أعداد المهاجرين إلى ليبيا غير قادرة على توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية لهذه الأعداد المتزايدة، في وقت تراجعت فيه الدول الأوروبية عن تقديم المساعدات اللازمة للتعامل مع هذه الأزمة، بينما تواصل إعادة المهاجرين غير شرعيين الذين يتم اعتراضهم في البحر إلى ليبيا، و لم يعد خطاب لا للتوطين للمهاجرين غير الشرعيين في ليبيا مجرد تعبيرٍ عن خوفٍ من الهجرة أو اعتراضٍ على السياسات الدولية، إذ إنه أصبح إجابةً سهلةً عن أسئلةٍ شديدة التعقيد تختزل إجاباتها في سردية أنّ هناك من يريد توطين المهاجرين في ليبيا.
وأوضح الكاتب والباحث السياسي أحمد عرابي إن هذه السردية، لأنها سهلةٌ ومشحونةٌ بالعاطفة، قادرةٌ على أن تُنتج خوفاً عاماً من توطين المهاجرين في ليبيا، وتبسّط الوقائع وتذوّب الفوارق بين المهاجر واللاجئ والعامل والمُهرِّب، وتحوّل أزمة الحوكمة إلى أزمة وجود وطني يُستثار لها الشارع الليبي ويُعفى بسببها المسؤولون عن تفاقم الأزمة من المساءلة، بينما يرفعون شعارات لا للتوطين وتؤدي أفعالهم إلى تكدس المهاجرين بلا تنظيم قبل هجرة البعض منهم عبر البحر الأبيض المتوسط إلى القارة العجوز.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى