جمال المحلاوي يكتب.. بين فكر جمال حمدان ومن اتخذوا الديماجوجية والشيفونية والعدمية منهج حياة

يقول دكتور جمال حمدان عندما يتحدث عن مصر الإقليم أن الذي نراه هو حالة نادرة من الأقاليم والبلاد من حيث السمات والقسمات التي تجتمع فيها فكثير من هذه السمات تشترك فيها مصر مع هذه البلاد أو تلك ولكن مجموعة السمات ككل تجعل منها مخلوقا فريدا فذاً حقا . فهي بطريقة ما تكاد تنتمي إلى كل مكان دون أن تكون هناك تماما .وبهذا فإنها تكاد تأخذ من كل طرف تقريبا بطرف أي تأخذ بالحد الأدنى على الأقل كميا من الحد الأقصى من الحالات والسمات نوعيا .
ثم هي تأتي عادة النموذج المثالي والمثل الكلاسيكي في كل شيء تقريبا بحيث تبدو في حد ذاتها وكأنها بللورة شديدة التبلور مركزة مكثفة متضاغطة على نفسها بدرجة نادرة ,قالت الفرس عنها قديما ( كل جميل يأتي من مصر ) وتجمع مصر بين الحد الأوسط ويصف جمال حمدان مصر بأنها ملكة الحد الأوسط وسيدة الحلول الوسطى مما يجعلها أمة وسطا بكل معنى الكلمة بكل معنى الوسط الذهبي ولكن ليست أمة نصفا فهي وسط في الموقع والدور الحضاري والتاريخي وفي الموارد والطاقة وفي السياسة والحرب وفي النظرة والتفكير.ولعل هذه الموهبة الطبيعية سر بقاءها وحيويتها على مر العصور ورغم أن مصر جغرافيا وتاريخيا تطبيق عملي لمعادلة هيجل تجمع بين التقرير والنقيض في تركيب متزن أصيل .ونحن هنا لانملك إلا أن نقول أننا كلما أمعنا تحليل وشخصية مصر وتعمقناها استحال علينا أن نتحاشى هذا الانتهاء وهي أنها فلتة جغرافية لاتتكرر في أي ركن من أركان العالم وفي كلمة واحدة شخصية مصر هي التفرد وأن ثمة حقيقة مؤكدة هي كما يقول نيوبي أن شعب مصر شعب خاص وقد جعلهم تاريخهم وجغرافيتهم يختلفون عن سكان أي أمة من الأمم (إنتهى )وبعد هذا الوصف البديع الذي يقوم على أسس علمية بحتة دون تحيز عاطفي وبنظرة فلسفية فهنا وفي هذا السياق يعبر الكاتب عن مصر الإقليم الطبيعي فوضعا في إطار الأمة الوسط والمكان الوسط دون مبالغة أو تهويل .
ولكن من المؤسف في أننا نجد الكثير من الذين يقومون بالعمل بالسياسة وكذلك الإعلام في مصر ليس لهم أدنى نصيب من العلم في أصول العمل السياسي أو الإعلامي وإنه من الأجدر أن نطلق عليهم مفهوم الزواحف من السياسيين والإعلاميين الإنتهازيين والمصابين بالديماجوجية حيث يصبح السياسي أو الإعلامي كشاعر القبيلة في الجاهلية فهو مجرد بوق يجنح إلى المبالغة والتهويل والتهليل بسذاجة تدعو إلى السخرية والتي تفقده المصداقية ودوره الاجتماعي ومبرر وجوده الوطني ذلك السياسي أو الإعلامي الذي يصور مصر على أنها يوتوبيا على الأرض أو كفردوس أرضي وهنا يظهر الخطر حيث أن طريق الحفاظ على الأمن القومي المصري من وجهة نظرهم هو الطريق الأسهل ألا وهو الديماجوجية والتي تعني دغدغة مشاعر الشعب وإرضاء غروره بتزيين عيوبه وتضخيم محاسنه .والحقيقة أن ابن مصر البار الغيور على وطنه الذي يظهر الحقيقة كما هي بل ينقد مابها بقوة وبقسوة صادمة أحيانا إذا لزم الأمر ذلك الرئيس الذي يتصف بالصدق مع نفسه والجرأة في عرض جوانب العوار على شعبه بلا وجل ولا دجل دون دفن الرأس في الرمال والتغافل عن المشكلات والعيوب التي لابد من العمل على مواجهتها فأول طرق الحل هو الاعتراف بالمشكلة وهو مافعله الرئيس منذ البداية بمواجهة الناس بحقيقة أوضاع الوطن خاصة الاقتصادية منها في كثير من لقاءاته لايقدم للناس الأوهام الوطنية والمخدرات التاريخية للجماهير والتي يصر على تقديم تلك الوجبة جل السياسيين في مصر وإعلاميهم والذين يبيعون الوطنية للمواطن .
فلم يوهم الرئيس الناس بأن مصر دولة عظمى واسعة الثراء وأنها خير أمة أخرجت للناس فإنه لم ينافق أو يتزلف إلى المواطن ويتملق بتضخيم الذات على غير الحقيقة .ولم يصرح في يوم أننا نعيش في عصره أروع وأمجد عصر عاشته مصر بل يقدم الحقائق واضحة ولايقف عند مجرد العرض الصادم فقط بل يسعى لحل ذلك الإرث من المشكلات غير فاقد لأمل التخلص من تلك المشكلات بالعمل الجاد والتخطيط والتنظيم مع اعترافه بأن المواطنين سوف يعانون في تلك الرحلة وإنه من الغريب والمؤسف أن الذين ينقدون هذا التوجه مستغلين ذلك المواطن الساذج نصف الجاهل يصورون له أن قيادته عاجزة وفاشلة وباطشة . وهنا يضع المواطن بين شقي الرحى , فاما الشق الأعلى فهو التهويل والتضخيم لإمكانياته وهذا الذي يمثله ويقوم به طائفة من السياسيين والإعلاميين الذين يبيعون الوطنية للمواطن وأما الشق الأسفل فالتهوين والتشكيك والتخوين وهو مايمثله طائفة من الإعلاميين والسياسيين الذين أصروا على إفقاد ذلك الوطن كل أمل , والحقيقة أن كلا الطرفين زواحف سياسية وإعلامية إنتهازية لايشغلهم إلا مصالحهم الشخصية والمادية فالأول مستفيد يلهي المواطن عن العيوب ومناطق المشكلات وحجمها بل ويتغنى بتلك العيوب ويخدره بشيء غير قليل من الشيفونية ( النعرة الوطنية), والآخر قريب إلى العمالة بل أن كثير منهم بالفعل عملاء المرجفين يقومون بتضخيم تلك المشكلات ناشرين روح اليأس بين الناس محاولين إقناع المواطن بأن تلك هي الوطنية الحقيقية فكلاهما يصور نفسه على أنه دليل الوطنية .
وكلا الفريقين لايعكس إلا إفلاسا فكريا وسياسيا وسياسيا مروعا لاينتج عنه إلا تجمدا وخمولا وركودا لتستمر شبه دولة كما صرح الرئيس أنه عندما تولى لم يجد دولة بل وجد شبه دولة وللأسف لم يفهمه أحد حينها مرت عليهم الكلمة مرور الكرام واستغلها الحاقدون لخداع أنصاف الجاهلين بوجهة نظرهم .إن موقف الرئيس هو موقف الدليل الصادق لأهله ووطنه دعا الجميع للنظر إلى تلك المشكلات والعيوب ومواجهتها بشجاعة , لا لننسحق بها ولكن لنسحقها , لا لنسيء لأنفسنا ولكن لنرفعها , ليس بالشعارات ولكن بالعمل الجاد والأمين .بعيدا عن الديماجوجية والشيفونية التي يمثلها كثير من الإنتهازيين من السياسيين والإعلاميين وكذلك الإنهزامية والعدمية السياسية التي تدفع المواطن إلى الكفر التام بالمؤسسات وترى أن الفساد والفشل حتمي لايمكن إصلاحه .
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



