مجدى طنطاوى يكتب.. عمى قرشي وصاحبي دراعي

ترى ما الذي دفع قطاعات من الناس إلى تبني ذلك الشعار الذي أطلقه الفنان عادل إمام في فيلم سلام يا صاحبي “عمي قرشي وصاحبي دراعي” حتى أصبح وكأنه منهج حياة عند البعض لا مجرد جملة في عمل فني
ما الذي جعل القانون يتراجع في عقول البعض أمام منطق القوة وما الذي دفع أفرادا إلى الاعتقاد بأن الحصول على الحق أو حتى الوهم بالحق لا يكون عبر المؤسسات وإنما عبر الحشد والتهديد والبطش
توقفت طويلا أمام واقعة التعدي على طبيبة الأسنان التي لم ترتكب جرما سوى أنها اعتذرت عن تسليم ضرس مخلوع لأهل المريض وفق ما تراه قواعد مهنتها أو إجراءات عملها فإذا بالمشهد يتحول إلى حالة من الغضب المنفلت والاعتداء والضرب والتكسير والإهانة وكأننا أمام خصومة ثأرية لا داخل عيادة طبية
المؤلم في الأمر ليس الواقعة ذاتها فحسب بل أنها لم تعد صادمة كما ينبغي أن تكون فقد أصبح المجتمع يشاهد مثل هذه المشاهد بصورة متكررة حتى كاد يعتادها وهنا تكمن الكارثة الحقيقية
عندما يتحول الاعتداء إلى خبر عادي وعندما يصبح التنمر سلوكا يوميا وعندما يظن المعتدي أن كثرة من معه تمنحه الحق فإننا لا نكون أمام جريمة فردية فقط بل أمام خلل أخلاقي وثقافي يحتاج إلى مراجعة عميقة
لقد كانت المجتمعات تحترم الطبيب والمعلم والقاضي ورجل القانون لأن احترامهم كان جزءا من احترام النظام العام أما اليوم فنرى من يقتحم مؤسسة أو مستشفى أو مدرسة وهو يعتقد أن الصراخ والتهديد واليد الباطشة أقصر الطرق لفرض الإرادة
والمشكلة أن البعض لا يبحث عن حقه بقدر ما يبحث عن استعراض قوته فإن وجد من يردعه تراجع وإن لم يجد تمادى وكأن ميزان الحق أصبح يقاس بعدد الأشخاص لا بعدالة القضية
إن أكثر ما يؤلم في مثل هذه الوقائع هو الشعور بأن قيمة الإنسان أصبحت أحيانا أرخص من غضبة عابرة أو نزوة لحظية وأن سنوات الدراسة والتعب والجهد التي بذلتها طبيبة لتصل إلى مكانتها يمكن أن تتحطم في دقائق على أيدي أشخاص قرروا أن يأخذوا القانون بأيديهم
المجتمع لا ينهار بسبب الفقر وحده ولا بسبب الأزمات الاقتصادية وحدها بل ينهار عندما يفقد احترامه للحق وعندما يحل منطق القوة محل قوة القانون وعندما يصبح الخوف من البلطجي أكبر من الثقة في العدالة
إن مصر التي أنجبت الحضارة والقانون لا تستحق أن يسود فيها منطق الذراع الغليظة ولا أن تتحول فيها الخلافات البسيطة إلى ساحات للعنف والإذلال
ويبقى السؤال المؤلم
كم واقعة أخرى نحتاج إليها حتى ندرك أن حماية المجتمع لا تكون فقط بمعاقبة المعتدي بل بإعادة الاعتبار لقيم الاحترام والرحمة والاحتكام إلى القانون
فالأوطان لا يحميها أصحاب الأذرع القوية وإنما يحميها أصحاب الضمائر الحية.



