رأي

من «الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية» إلى «الصحة الحياتية»: كيف نغيّر النظرة من الحرج إلى الحق؟

إعداد/ راندة فخر الدين – طبيبة واستشارية نساء وتوليد وحقوق الصحة الإنجابية والعدالة الجندرية

في كل مرة نستخدم فيها تعبير «الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية»، نواجه أحيانًا ردود فعل متباينة: من يتلقاه باعتباره مفهومًا مهنيًا معروفًا، ومن يشعر بشيء من الحرج أو التحفظ، وكأننا نتحدث عن موضوع ينبغي أن يبقى خلف الأبواب المغلقة.
لكن ربما علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا أبسط وأعمق: هل المشكلة في القضية نفسها، أم في اللغة التي نصف بها هذه القضية؟
الكلمات ليست مجرد أوعية للمفاهيم. الطريقة التي نسمي بها الأشياء تؤثر في الطريقة التي يفهمها بها الناس، وفي السياسات التي نصنعها، والموارد التي نخصصها، وحتى في القضايا التي نراها جديرة بالقياس والاهتمام.
ولهذا أرى أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نقدم بها مفهوم Sexual and Reproductive Health and Rights – SRHR، وربما يكون من المفيد، خصوصًا في خطابنا العربي، أن نقدم له مدخلًا أكثر قربًا من حياة الناس: «الصحة الحياتية».
لا أقصد أن نستبدل المصطلح العلمي أو الحقوقي الرسمي، وإنما أن نمنح الناس طريقة مختلفة لفهمه والاقتراب منه.
فالصحة الجنسية والإنجابية، وفق التعريف المتكامل الذي قدمته لجنة غوتماتشر-لانست، ليست مجرد غياب المرض أو مجرد الحصول على وسائل منع الحمل؛ إنها حالة من الرفاه الجسدي والنفسي والعاطفي والاجتماعي المرتبط بكل جوانب الحياة الجنسية والإنجابية، وترتبط مباشرة بالاستقلالية الجسدية والقدرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بالجسد والحياة.
وهذا، في جوهره، هو معنى الصحة الحياتية.

لماذا «الصحة الحياتية»؟
لأن الإنجاب ليس حدثًا طبيًا منفصلًا عن حياة الإنسان.
والحمل ليس مجرد نتيجة لاختبار حمل.
والولادة ليست مجرد إجراء داخل غرفة العمليات.
ومنْع الحمل ليس مجرد علبة دواء تُصرف من عيادة.
والعلاقة الآمنة ليست مجرد معلومة عن الأمراض المنقولة جنسيًا.
كل هذه الأمور تقودنا إلى أسئلة أكبر:
هل أملك القرار بشأن جسدي؟
هل أستطيع الوصول إلى المعلومة التي أحتاج إليها؟
هل أستطيع الحصول على الخدمة عندما أحتاج إليها؟
هل أستطيع اتخاذ قراري دون خوف أو إكراه؟
هل أعيش في بيئة تحترم كرامتي؟
هل أستطيع أن أختار إن كنت أريد الإنجاب، ومتى؟
وهل أملك الموارد التي تجعل هذا الاختيار ممكنًا؟
هذه ليست أسئلة «جنس» فقط.
إنها أسئلة عن الحياة والصحة والكرامة والحقوق والقدرة على الاختيار.
ومن هنا تأتي قوة تعبير «الصحة الحياتية»: فهو ينقل النقاش من مساحة الحرج إلى مساحة أكثر إنسانية واتساعًا، ويسأل ببساطة: كيف نضمن أن يعيش الإنسان حياته وصحته وعلاقاته وإنجابه بكرامة وأمان، وأن تكون لديه قدرة حقيقية على الاختيار؟

الصحة الإنجابية ليست للنساء فقط
ومن أكثر الاختزالات شيوعًا أن نتعامل مع الصحة الجنسية والإنجابية باعتبارها «قضية نساء».
صحيح أن النساء والفتيات يتحملن، في كثير من المجتمعات، نصيبًا أكبر من آثار عدم المساواة الجندرية، وأنهن قد يواجهن عوائق أكبر أمام الوصول إلى المعلومات والخدمات واتخاذ القرارات المتعلقة بأجسادهن.
لكن الرجال والفتيان جزء أصيل من هذه القضية أيضًا.
الرجل الذي تربى على أن طلب المساعدة الطبية ضعف، أو أن الحديث عن الصحة الجنسية عيب، أو أن عليه إخفاء مشاعره ومخاوفه، يتأثر هو أيضًا بالمعايير الجندرية.
والرجولة التي تمنع الرجل من التعبير عن ضعفه أو طلب الرعاية ليست مشكلة نسائية؛ إنها منظومة اجتماعية قد تقيّد الجميع.
لذلك لا يمكن أن نبني عدالة جندرية حقيقية إذا تحدثنا عن النساء وحدهن، ولا يمكن أن نحقق تحولًا مستدامًا إذا استبعدنا الرجال والفتيان من الحوار.

من «المساواة» إلى «العدالة الجندرية»
وهنا نصل إلى مفهوم أراه بحاجة إلى توضيح دقيق: العدالة الجندرية.
العدالة الجندرية لا تعني ببساطة أن نعطي الجميع الشيء نفسه.
وهذه نقطة أساسية.
إذا كان شخصان يقفان أمام الباب نفسه، لكن أحدهما يواجه عشر حواجز تمنعه من الدخول، فإن إعطاء الاثنين المعاملة نفسها لا يعني أننا حققنا العدالة.
العدالة تبدأ عندما نزيل الحواجز.
ولهذا يمكن فهم العدالة الجندرية باعتبارها عملية تهدف إلى إزالة العقبات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والثقافية والمؤسسية التي تحول دون استفادة الناس من حقوقهم وفرصهم، وضمان توزيع عادل للموارد والفرص والخدمات وفقًا للاحتياجات الفعلية.
وهذا قريب من مفهوم الإنصاف الصحي لدى منظمة الصحة العالمية، الذي يركز على غياب الفوارق غير العادلة والقابلة للتجنب أو الإصلاح، وعلى تأثير العوامل السياسية والقانونية والاقتصادية والأعراف الاجتماعية في توزيع القوة والموارد.
إذن، العدالة الجندرية ليست امتيازًا للنساء على حساب الرجال، وليست منافسة بين الجنسين.
هي إزالة العوائق التي تمنع الإنسان من الوصول إلى حقوقه وإمكاناته بسبب جنسه أو نوعه الاجتماعي، مع الاعتراف بأن هذه العوائق ليست متساوية بين الجميع.

المساواة في الموارد لا تعني دائمًا العدالة
قد يكون لدينا مركز صحي يقدم الخدمة نفسها للجميع، فنقول: «لقد حققنا المساواة».
لكن ماذا لو كانت المرأة لا تستطيع الوصول إلى المركز دون إذن زوجها؟
أو لا تستطيع تحمل تكلفة المواصلات؟
أو لا تستطيع الحصول على إجازة من العمل؟
أو تواجه مقدم خدمة يحكم عليها أخلاقيًا؟
أو تعيش في منطقة لا تتوفر فيها الخدمة أصلًا؟
أو تكون من ذوي الإعاقة ولا تستطيع الوصول إلى المنشأة أو المعلومات؟
أو تكون لاجئة وتواجه عوائق قانونية أو مالية أو جغرافية؟
في هذه الحالات قد تكون الخدمة متاحة على الورق، لكنها غير متاحة فعليًا.
وهنا تظهر قيمة العدالة.
فالحق في الصحة لا يقتصر على وجود الخدمة؛ بل يتطلب أن تكون الخدمات متاحة ويمكن الوصول إليها ومقبولة وذات جودة ومن دون تمييز.

عندما تصبح «المعلومة» بلا قدرة على الاختيار
من الأمثلة التي تكشف هذه الفجوة بوضوح أن نجد امرأة تعرف كل شيء عن وسائل منع الحمل، لكنها لا تستطيع استخدام أي منها لأنها لا تملك القدرة على اتخاذ القرار.
هنا علينا أن نسأل:
هل قدمنا لها خدمة فعلًا؟
قد تكون حصلت على المعلومة.
وقد حضرت جلسة توعية.
وقد تعرف أسماء الوسائل وآثارها الجانبية.
لكن إذا لم تكن لديها القدرة على اتخاذ القرار بشأن جسدها، فهناك فجوة كبيرة بين المعلومة والحق.
ولهذا لا يمكن اختزال الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية في عدد المنشورات التي وُزعت، أو عدد جلسات التوعية، أو عدد وسائل منع الحمل التي تم توزيعها.
هذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تخبرنا وحدها ما إذا كان الناس يعيشون دون إكراه، وما إذا كانوا قادرين على اتخاذ قراراتهم دون خوف، وما إذا كانوا يعيشون دون تمييز.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى العمل التنموي؟
إذا تعاملنا مع الصحة الجنسية والإنجابية باعتبارها «تثقيفًا جنسيًا»، فسوف نميل إلى تمويل المناهج والمحاضرات وحملات التوعية.
وهي أمور مهمة بالتأكيد.
لكن إذا فهمناها باعتبارها صحة حياتية وحقًا من حقوق الإنسان، فسيتغير نطاق العمل بصورة كبيرة.
سنجد أنفسنا نتحدث عن:
● جودة خدمات صحة الأم والطفل.
● تنظيم الأسرة والحق في اتخاذ القرار.
● صحة المراهقين والشباب.
● الوقاية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي.
● الحماية من زواج الأطفال.
● الصحة النفسية.
● حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
● احتياجات اللاجئين والنازحين.
● التمكين الاقتصادي.
● التعليم والاستبقاء في المدارس.
● الحماية القانونية.
● إصلاح النظم الصحية.
● تغيير الأعراف الاجتماعية الضارة.
● إشراك الرجال والفتيان.
● وإزالة الحواجز التي تمنع الوصول إلى المعلومات والخدمات.
وهنا يتضح أن الصحة الحياتية ليست قطاعًا منفصلًا؛ إنها قضية تتقاطع مع قطاعات التنمية والصحة والتعليم والحماية والاقتصاد والحوكمة.

الصحة الحياتية تبدأ من الاعتراف بالإنسان
عندما نتحدث عن فتاة متزوجة قبل الثامنة عشرة، فنحن لا نتحدث فقط عن «زواج مبكر».
نحن نتحدث عن تعليمها، وصحتها، وقدرتها على اتخاذ القرار، وحمايتها من العنف، وفرصها الاقتصادية، ومستقبلها.
وعندما نتحدث عن امرأة تعيش في علاقة عنيفة، فنحن لا نتحدث فقط عن العنف.
نتحدث عن صحتها الجسدية والنفسية، وقدرتها على الوصول إلى الخدمات، وقدرتها الاقتصادية على الخروج من العلاقة، وسلامتها وسلامة أطفالها.
وعندما نتحدث عن امرأة لا تستطيع اتخاذ قرار بشأن الحمل، فنحن لا نتحدث فقط عن الإنجاب.
نتحدث عن الاستقلالية والكرامة والحقوق والقدرة على بناء الحياة التي تريدها.
وهنا تحديدًا أرى قوة مفهوم الصحة الحياتية: فهو يعيد الإنسان إلى مركز القضية.

لا نحتاج إلى خفض أصواتنا
ربما يكون أحد أهم التغييرات المطلوبة منا هو أن نتوقف عن التعامل مع هذه القضايا باعتبارها موضوعات ينبغي الحديث عنها بصوت منخفض.
نعم، نحتاج إلى لغة مسؤولة ومحترمة وحساسة للسياق الثقافي.
لكن الاحترام لا يعني الصمت.
والخصوصية لا تعني الإخفاء.
والحساسية الثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لترك الناس دون معلومات أو خدمات أو حماية.
الصحة الجنسية والإنجابية جزء من الصحة العامة، والحق في الصحة يرتبط بحقوق أخرى، منها التعليم والعمل والمشاركة والحصول على المعلومات.
لذلك يجب أن يكون النقاش مهنيًا وعلميًا وإنسانيًا، وأن ينتقل من دائرة الهمس إلى دائرة السياسات العامة.

الرسالة التي أعتقد أننا نحتاج إلى إيصالها
ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا:
هل نريد أن نشرح للناس مصطلحًا صعبًا، أم نريد أن نغيّر حياتهم؟
إذا كان هدفنا هو الثاني، فعلينا أن نستخدم لغة يفهمها الناس ويشعرون بأنها تخصهم.
«الصحة الحياتية» يمكن أن تكون مدخلًا لذلك.
لكن الأهم من الاسم هو المفهوم الذي نقف خلفه:
أن كل إنسان يستحق المعلومات والخدمات الصحية التي يحتاج إليها.
أن كل إنسان يستحق اتخاذ القرارات المتعلقة بجسده وحياته دون إكراه أو عنف.
أن المرأة ليست مجرد أم محتملة، والرجل ليس مجرد معيل، والفتاة ليست مجرد زوجة مستقبلية، والفتى ليس مطالبًا بإثبات رجولته على حساب صحته.
وأن العدالة الجندرية لا تعني إعطاء الجميع الشيء نفسه، وإنما إزالة الحواجز التي تمنع الناس من الاستفادة، وتوجيه الموارد والفرص والخدمات بصورة عادلة وفقًا للاحتياج.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال:
«هل تحدثنا بما يكفي عن الجنس والإنجاب؟»
بل:
«هل أصبح كل إنسان أكثر قدرة على أن يعيش حياة صحية وآمنة وكريمة، وأن يتخذ قراراته بحرية ومسؤولية؟»
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن لا نقدم مجرد تثقيف جنسي.
نحن نبني صحة حياتية.
ونحن لا نتحدث فقط عن المساواة بين الجنسين.
نحن نبني عدالة جندرية حقيقية.
وهذا، في رأيي، هو التحول الذي نحتاج إليه: من الحديث عن موضوع حساس إلى بناء حياة أكثر صحة وكرامة وعدالة للجميع.
ملاحظة تحريرية: «الصحة الحياتية» هنا مقترح لغوي واتصالي لتقريب مفهوم SRHR إلى الجمهور العربي، وليست تسمية بديلة رسمية للمصطلح العلمي الدولي.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى