رأي

سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. مصر أمُّ الدنيا… ليست مجرد لقب

“مصر أمّ الدنيا”… ليست عبارة عابرة تلوكها الألسنة في المجالس، ولا مجرد شعار محفور على جدران العاطفة. إنها هوية حضارية، وذاكرة متجددة، ودرع طالما صدت الهزائم عن وجوه الأمة.

مصر ليست فقط بلد الأهرامات والنيل، بل بلد المواقف. بلد حين تتعثر الخطى في أرض العرب، تبقى هي واقفة، حاضرة، تمد يدها دون منّة، وتفتح ذراعيها دون حساب.

في كل منعطف خطير من تاريخ القضية الفلسطينية، كانت مصر حاضرة بالفعل لا بالبيان. لا نحتاج إلى العودة كثيرًا في الزمن؛ يكفي أن نحدق اليوم فيما يحدث بغزة. حين سقطت الكلمات، وانهارت جدران الضمير، ظلت مصر تبني جسرًا بين الحياة والموت.

في عز القصف والدمار، فُتح معبر رفح من الجهة المصرية ليكون شريانًا لغزة الجريحة. كانت الشاحنات المصرية تدخل بلا توقف، محملة بالدواء والخبز والماء، كأنّها تقول لأهل غزة: “لسنا بعيدين، دمنا من دمكم، وجرحكم جرحنا”.

أرسلت مصر مستشفياتها الميدانية، وأطباءها، واستقبلت جرحى غزة بكل حبّ. لم تقف على الحياد، بل وقفت على جبهة الأخوة ، الحقيقة الثابتة هي أن مصر لم تدر ظهرها يومًا لغزة، بل ظلّت تفتح قلبها وحدودها، وتدفع من أمنها واستقرارها ثمنًا لمواقفها.

ومع كل هذا الدعم الإنساني، لعبت مصر دورًا حاسمًا في منع تهجير سكان غزة. وقفت بوضوح ضد كل محاولات اقتلاع الناس من أرضهم، رافضة أن تكون غزة مفرّغة من أهلها. حافظت مصر على هذا الثابت التاريخي والأخلاقي، بأن تظل غزة لأبنائها، رغم الجراح، ورغم الفقد، ورغم الضغوط.

ولأن العروبة ليست فقط خطابًا، بل امتداد مشاعر وأحاسيس ، فإن مصر هي عشقنا في غزة. نحبها دون تكلّف، ونحفظ لها مكانتها في القلب، لأنها لم تتعامل معنا كملف، بل كقضية، وكأشقاء لا كأرقام. في بيوت غزة، كما في وجدانها، تسكن مصر… بتاريخها ولهجتها ونيلها، وصوت أم كلثوم الذي ما زال يطرق نوافذنا في المساء.

منذ نكبة فلسطين إلى كل عدوان على غزة، كانت القاهرة حاضرة في كواليس المصالحة، وفي مفاوضات التهدئة، وفي إسكات صوت المدافع حين يصمت الجميع. في الحرب، وفي السلم، لم تكن مصر غائبة.

أمّ الدنيا؟ نعم. لأنّ الأمّ هي التي تحنو حين يقسو الجميع، وهي التي تُربّت على الجراح حين يتوارى الآخرون. الأمّ لا تتخلّى، ولا تساوم على أبنائها مهما كانت الظروف.

مصر ظلت صادقة في وجدان الفلسطيني، وفي ذاكرة الغزّي، لأنها لم تكن مجرد دولة جوار، بل كانت بيتًا عربيًا كبيرًا… حين ضاقت الأرض، ظلّت مصر رحبة.

إنّ من واجبنا، نحن الفلسطينيين، أن نُبقي هذه العلاقة حيّة، وصادقة، وأن نحفظ لمصر موقفها، ونبني على هذه الجذور المشتركة مستقبلًا من التعاون والكرامة.

قد تُنسى المواقف في زمن الازدحام الإعلامي، لكن غزة تعرف من كان معها، ومن تركها. ومصر… لم تتركها يومًا.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى