رأي

سليم عبد الكريم الهندي  يكتب.. رسالة لمن لم يزر غزة

إلى من لم يزر غزة يومًا، إلى من لا يعرف عنها سوى ما تتركه الأخبار من عناوين مثقلة بالموت .

غزة ليست فقط جغرافيا محاصرة ، وليست مجرد رقم في إحصائية.

غزة ، ببساطة، حياة تتحدى الفناء. نبض يمشي على الأسلاك . ومدينة تُعاد كتابتها كل يوم من تحت الركام.

لو زرتها ، لرأيت ما لا يُكتب في التقارير.

طفل يبيع النعناع على رصيفٍ مهدم، لكنه يحلم أن يصبح طبيباً.

فتاة تحمل دفترها وتقاوم بصمت  لا تحب أن تُسمى “ناجية” ، بل تفضل أن تُدعى “طالبة”.

أمٌّ تخبز في فناء منزلها نصف المهدم، وهي تحفظ أسماء من رحلوا وتعدّ وجبات لمن بقوا.

غزة ليست ضحية فقط ، غزة مقاتلة ناعمة.

تحمل وجه الحياة رغم وجه الحرب.

تستقبل قذيفة، وترد عليها بابتسامة طفل.

تنهار مدرسة، وتُبنى في الزوايا ألف مبادرة.

وتُهدم مكتبة، لكن الحكايات تواصل طريقها في دفاتر الطلبة.

في غزة ، الأشياء الصغيرة تحمل معاني كبيرة .

شمعة تُضيء فصلًا مدرسياً بعد انقطاع الكهرباء، نافذة مهشمة يُغطيها الأب بكوفيته، علبة زعتر يُهدى لجارٍ فقد عائلته في القصف ، ونقطة ماء تُوزّع بعد طابور طويل وكأنها كنز.

غزة أيضًا … كانت جميلة كما لم تتخيل.

زرقة بحرها كانت تُشبه الحلم ، وأشجار الحمضيات تفوح من حاراتها القديمة.

كانت تُصدر الفراولة والورود، وتُهدي العالم رائحة الأرض.

غزة الجميلة ، نعم الجميلة لم تمت.

رغم كل الحروب ، ما زالت ترسم الحياة في عيون أطفالها، وتزرع الأمل في شرفاتها، وتُخفي بداخلها وطنًا لا يذبل.

لا شيء في غزة يحدث بلا معنى.

كل شيء هناك مشبع بالكرامة، ممزوج بالحزن ، محفوف بالأمل.

حتى الصمت فيها، ليس عجزاً بل طريقة أخرى للبكاء دون أن يسمع العدو.

غزة تُقاتل على جبهتين:

جبهة بقاء ، وجبهة كرامة.

جبهة الطعام والماء، وجبهة الصورة والرواية.

ولذلك، لا تظن أن غزة بحاجة فقط إلى مساعدات.

بل إلى من يروي قصتها بصدق.

من يرفض أن تُصبح المأساة روتيناً.

من يُقاوم التجاهل، ويقول: أنا أراها، وأشعر بها، وسأتحدث عنها.

نحن لا نطلب أكثر من ذلك:

أن تحمل غزة في ضميرك، أن تتحدث عنها لا حين تُقصف فقط، بل حين تُزهر أيضاً.

أن لا تتركها وحدها ، لا لأنك فلسطيني، بل لأنك إنسان.

غزة لا تحتضر، بل تُعيد تعريف الحياة.

تُعلمك كيف تعيش حين تُسلب منك أدوات العيش.

تُذكرك أن الإنسان حين يُسلب منه كل شيء يبقى له صوته و كرامته و قلبه.

وغزة كما تعرف لا تموت .

غزة دائماً تنهض ، وتُعلم، وتغفر ، لكنها لا تنسى من ساندها.

وستبقى غزة ، المدنية التي تستحق الحياة .

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى