
قد يعيد مشهد اعتقال رئيس فنزويلا مادورو الأذهان إلي مشاهد عدة صدرتها الإدارة الأمريكية للعالم ليس فقط فى منطقة آمريكا الاتينية ولكن أيضا ماحدث في اليابان بعد إلقاء قنبلتي هيروشيما و نجازاكي واجبارها علي التسليم بجانب التدخل السافر في تشيلي والارجنتين في سبعينيات القرن الماضي فضلًا عما حدث في العراق ومحاكمة صدام حسين ونظامه السابق والتهديد المستمر للمرشد الاعلى للجمهورية الايرانية حتى هذه اللحظة كل هذه الخطوات تضعنا أمام عدة مقاصد امريكية تخلخل بنية القانون الدولي والتوافقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية وبناء مؤسسات دولية مسيسة تستخدم حسب الاهواء الاميركية
ما جرى في فنزويلا اليوم لا يُفهم باعتباره عملية عسكرية معزولة أو رد فعل تكتيكي على تطور أمني طارئ بل بوصفه لحظة كاشفة لمسار كامل أعادت من خلاله الولايات المتحدة في الولاية الثانية لدونالد ترامب تعريف علاقتها بأمريكا اللاتينية. فلم تكن الضربات الأمريكية ثم الإعلان عن إخراج نيكولاس مادورو من المشهد جاءا بعد سنوات من التدرج في التصعيد انتقلت فيها واشنطن من العقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي إلى القناعة بأن هذا المسار لم يعد يحقق أهدافه في هذه اللحظة بدا أن القرار السياسي قد حُسم ففنزويلا لم تعد مسألة إدارة أزمة بل مشكلة يجب إنهاؤها وفقا للمصلحة الامريكية.
هذا التحول الدراماتيكي يرتبط مباشرة بإحياء مبدأ مونرو بوصفه عقيدة حاكمة للسياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي هذا المبدأ الذي أُعلن عام 1823 لمنع التدخل الأوروبي في شؤون القارة تحول تاريخيا من صيغة دفاعية إلى غطاء سياسي للتدخل والهيمنة فأهمية فنزويلا في هذا السياق لا تنبع من وضعها الداخلي فقط بل من موقعها في الحسابات الجيوسياسية الأوسع فهي الدولة التي تجمع في آن واحد بين ثروة نفطية هائلة وانهيار اقتصادي عميق وعداء سياسي معلن لواشنطن وحضور روسي وصيني نشط هذا التداخل يجعلها في نظر صانعي القرار الأمريكي نقطة ارتكاز محتملة لاختراق استراتيجي أوسع في جوار الولايات المتحدة المباشر وهو بالضبط ما يسعى منطق مبدأ مونرو إلى منعه إلى جانب النفط تمتلك فنزويلا ثروة معدنية هائلة تجعلها واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية حساسية في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة فالبلاد تقع فوق ما يُعرف بـ«قوس التعدين في أورينوكو» وهو نطاق غني بالذهب والماس والبوكسيت والحديد إضافة إلى معادن نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكري و خلال السنوات الماضية فتحت كاراكاس هذا القطاع أمام استثمارات روسية وصينية وتركية في محاولة منها لتعويض انهيار عائدات النفط وهو ما أثار قلقا متزايدا في واشنطن من تحول فنزويلا إلى منصة لاستخراج موارد استراتيجية خارج السيطرة الغربية في لحظة عالمية تتصاعد فيها المنافسة على المعادن الحيوية وهنا كان القول الفصل في تنفيذ سياسة “طحن الرؤوس ” وهو ما تم تنفيذه باعتقال مادورو بعد خرق استخباراتي لدوائر الحماية الدقيقة له داخل القاعدة العسكرية التي كان يحتمي بها مها زوجته لترسخ أمريكا جريمة عابرة للحدود من وجهة نظر القانون الدولى نحن أمام “جريمة مركبة” تتجاوز الأعراف الدبلوماسية فهناك مبدأ عرفي راسخ (نصت عليه محكمة العدل الدولية في قضية “مذكرة التوقيف” عام 2002) يؤكد أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة جنائية مطلقة تمنع ملاحقتهم أو القبض عليهم من قبل دول أخرى و اختطاف مادورو هو “انتحار قانوني” لهذا المبدأ.
اضف الي ذلك أن الولاية القضائية العابرة للحدود صارت علي المحك فكيف يمكن لمحكمة محلية في دولة (أ) أن تصدر أمراً بتنفيذ عملية كوماندوز في دولة (ب)؟ هذا يسمى “العدوان الموصوف” وهو انتهاك صارخ للمادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة.
وقد شرعنة أمريكا عقيدة “كير-فريزبي” وهي “عدالة القراصنة” والتي تستند القوى التي تنفذ هذه العمليات إلى مبدأ قضائي أمريكي مثير للجدل يُعرف بـ عقيدة “كير-فريزبي” والتي تنص على أن طريقة جلب المتهم إلى المحكمة لا تؤثر على سلطة المحكمة في محاكمته و وفق هذا المنطق لا يهم إذا تم “خطف” الشخص من فراشه في دولة ذات سيادة فبمجرد وقوفه أمام القاضي تصبح عملية القبض “واقعاً مفروضاً” لا يبطل المحاكمة.
الخطر الحقيقي ليس في مصير شخص مادورو بل في تحويل هذا الفعل إلى سابقة تمنح الشرعية لـ “شريعة الغاب”
و تشريع “القرصنة السيادية” غداً قد تجد أي قوة إقليمية المبرر “لاختطاف” مسؤولين يختلفون معها مستندة إلى “سابقة مادورو” وعقيدة “كير-فريزبي”.
وهو ما يؤدى الى تآكل الحماية الدبلوماسية إذا كان “الرئيس وهو رمز السيادة غير محمي، فما هو حال الدبلوماسيين؟
لقد تم فتح “صندوق باندورا” الذي سيجعل كل مسؤول في العالم عرضة للتحول إلى طريد فوق منصات القضاء الأجنبي ومن هنا صارت الدبلوماسية القسرية هى الأداة التي استحدثتها الولايات المتحدة الاميركية من أجل تنفيذ مآربها للسيطرة على العالم



