رأي

فرج بوخروبة يكتب.. أمة العرب بين أمجاد الأمس وانكسارات اليوم

“في تاريخ الأمم لحظات تتوهج فيها العقول وتزدهر فيها الحضارات، ولقد كانت أمة العرب يومًا ما مشعلًا للعلم والفكر، غير أنّها اليوم تقف على أطلالها، مترددة بين ذاكرة الأمجاد وواقع الانكسار.”

لقد كانت أمة العرب يومًا ما أفقًا ممتدًا من نور، ينهل منه العالم علومًا وفلسفةً وطبًا وهندسةً، حتى غدت بغداد وقرطبة والقاهرة ودمشق محطات لا تُنسى في رحلة الحضارة الإنسانية. هناك، حيث كان الورّاقون ينسخون الكتب، والفلاسفة يطرحون الأسئلة، والأطباء يبتكرون العلاج، والشعراء ينسجون المعاني، ارتسمت صورة أمةٍ جعلت من الفكر زادًا ومن العلم سلاحًا ومن الكلمة عهدًا.

اقرأ أيضا: د. فرج بوخروبة يكتب.. القلق المقدس كيف يعيش الكيان الإسرائيلي بين أسطورة التفوّق وفوبيا الزوال؟

ولعل بيت المتنبي يصف حالها يوم كانت في أوجها:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ … فلا تقنعْ بمـا دونَ النجومِ

لقد كانت الأمة العربية في عصورها الذهبية مركزًا للنهضة الإنسانية، حيث أسّس ابن سينا علم الطب الحديث، وابتكر ابن الهيثم أسس علم البصريات، وأرسى الفارابي وابن رشد قواعد الفلسفة العقلية التي ألهمت أوروبا في عصر النهضة. كانت أسماء هؤلاء العلماء تُتداول في الغرب كما تُتداول اليوم أسماء كبار المفكرين المعاصرين، وكان أثرهم ممتدًا في الجامعات الأوروبية التي ترجمت كتبهم وجعلتها أساسًا للتعليم.

لكن تلك الصورة المضيئة تلاشت شيئًا فشيئًا، حتى غدت الأمة اليوم كمن يقف على أطلال دارٍ عامرة، يحدّث نفسه عن ماضيها البهيّ، فيما الحاضر يثقل كاهله بالانكسار. لقد ذابت الأمة في عالمٍ لا يرحم، وأصبحت في موقع المتلقي بدل المبدع، وفي موقع التابع بدل القائد، تخشى الغرب وأمريكا وقوتهم المهيمنة، وتستسلم لسطوة الآخر، ناسِيَةً عزّها وسطوتها وفكرها الذي كان يومًا ما منارة لكل شيء.

إنّ ما أصاب الأمة لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة مريرة لسنوات من الجهل والفساد، ومن استبدال الذي هو خير بالذي هو أدنى. وهنا نستحضر قول ابن خلدون:

الظلم مؤذنٌ بخراب العمران

فحينما غابت العقول المستنيرة، وأُقصي الفكر الحر، واستشرى الفساد في مؤسسات الدولة والمجتمع، تهاوت البنيان الحضاري، وتراجعت الأمة إلى الخلف، حتى صارت في ذيل الأمم بعد أن كانت في طليعتها.

لقد كان الجهل هو السلاح الأشد فتكًا، إذ عطّل العقول وأطفأ جذوة الإبداع، وحوّل الإنسان العربي من فاعل إلى مفعول به، من صانع للتاريخ إلى متفرج عليه. وكان الفساد هو الطاعون الذي نخر في جسد الأمة، فأضعف مؤسساتها، وأفقدها القدرة على النهوض، وأحال ثرواتها إلى غنائم تتقاسمها قوى داخلية وخارجية، بدل أن تكون رافعة للتنمية والتقدم.

ولا يمكن إغفال أثر الاستعمار الحديث الذي مزّق الجغرافيا العربية، وزرع الانقسامات، وأضعف الهوية الجامعة، حتى صارت الأمة أشبه بجزر متباعدة، كل واحدة منها تبحث عن خلاصها الفردي، بينما يضيع المشروع الجماعي. لقد ترك الاستعمار وراءه دولًا هشة، واقتصادات تابعة، وأنظمة سياسية عاجزة عن بناء مشروع نهضوي مستقل.

إنّ الأمة التي كانت يومًا ما تُعلّم العالم، صارت اليوم تستورد منه كل شيء: من الغذاء إلى الدواء، ومن التكنولوجيا إلى الفكر. الأمة التي كانت تُصدّر الكتب والمخطوطات، صارت اليوم تستورد حتى المناهج التعليمية. الأمة التي كانت تُبدع في الفلسفة والطب والهندسة، صارت اليوم عاجزة عن إنتاج أبسط أدوات الحياة الحديثة. وهذا التحول ليس مجرد تراجع مادي، بل هو انهيار معنوي، إذ فقدت الأمة ثقتها بنفسها، وفقدت قدرتها على الحلم، وصارت أسيرة واقعها المأزوم.

ومع ذلك، فإنّ الحديث عن الأمجاد الماضية ليس مجرد بكاء على الأطلال، بل هو دعوة إلى استعادة الوعي، وإلى إدراك أنّ ما كان ممكنًا بالأمس يمكن أن يكون ممكنًا اليوم، إذا ما توفرت الإرادة والعزيمة.

ولعل بيتًا آخر للمتنبي يصلح أن يكون شعارًا لهذه الدعوة:

إذا لم تَستطِعْ شيئًا فدَعْهُ … وجاوزْهُ إلى ما تستطيعُ

إنّ المطلوب اليوم هو ثورة معرفية تُعيد للعقل العربي مكانته، وتُحرر الفكر من قيود التقليد، وتفتح أبواب الإبداع والابتكار. المطلوب هو إصلاح سياسي واجتماعي يُعيد للمؤسسات قوتها، ويُحارب الفساد بكل أشكاله، ويُرسّخ قيم العدالة والشفافية. المطلوب هو نهضة شاملة تُعيد للأمة ثقتها بنفسها، وتُخرجها من حالة الذوبان في الآخر إلى حالة التفاعل معه من موقع القوة والندية.

ولعلّ من أبرز ملامح هذه النهضة أن تُعيد الأمة الاعتبار للعلم والتعليم، وأن تجعل من الجامعات مراكز للإبداع لا مجرد مؤسسات لتخريج الشهادات. وأن تُعيد الاعتبار للثقافة والفكر، وأن تُطلق حرية الكلمة، لأنّ الأمم لا تنهض إلا حينما يتحرر العقل من القيود. كما أنّ النهضة لا يمكن أن تتحقق دون وحدة داخلية، تُذيب الخلافات، وتُعيد للأمة شعورها بأنها جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

لقد آن للأمة أن تدرك أنّ الخوف من الغرب وأمريكا ليس قدرًا محتومًا، وأنّ الهيمنة ليست قانونًا أبديًا، بل هي واقع يمكن تغييره إذا ما امتلكت الأمة أدوات القوة. وأدوات القوة ليست مجرد السلاح، بل هي العلم والمعرفة، وهي الاقتصاد القوي، وهي الوحدة الداخلية، وهي الإرادة السياسية المستقلة. فإذا ما امتلكت الأمة هذه الأدوات، فإنها تستطيع أن تواجه التحديات، وأن تستعيد مكانتها، وأن تعود لتكون منارة للعالم كما كانت من قبل.

إنّ الأمة العربية اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تستمر في حالة الذوبان والانكسار، فتفقد ما تبقى لها من هوية وكرامة، وإما أن تنهض من جديد، فتستعيد أمجادها، وتكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الإنسانية. والاختيار ليس بيد القدر، بل هو بيد الأمة نفسها، بيد شعوبها وقادتها ومفكريها ومثقفيها. فإذا ما اجتمعت الإرادة، وإذا ما توحدت الجهود، فإنّ النهضة ممكنة، بل هي حتمية، لأنّ الأمة التي أنارت العالم يومًا ما، لا يمكن أن تظل في الظلام إلى الأبد.

إنّ أمة العرب ليست مجرد ذكرى في كتب التاريخ، بل هي كيان حيّ، قادر على النهوض إذا ما أراد. وما الأمجاد الماضية إلا شاهد على ما يمكن أن يكون، وما الانكسارات الراهنة إلا درس على ما يجب أن يُتجاوز. وبين الماضي والحاضر يكمن المستقبل، مستقبل يمكن أن يكون مشرقًا إذا ما استعاد العرب ثقتهم بأنفسهم، وإذا ما أدركوا أنّ عزّهم وسطوتهم وفكرهم ليس مجرد تراث، بل هو مشروع حياة ينتظر أن يُبعث من جديد.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى