«العودة إلى الوطن.. بين الحنين والمجهول: قراءة في بدء عودة السودانيين من مصر إلى السودان»
إعداد- رامي زُهدي خبير الشؤون الإفريقية
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، فرّ مئات الآلاف من السودانيين إلى دول الجوار، وعلى رأسها مصر، التي استقبلت أكثر من نصف مليون نازح سوداني، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة. واليوم، ومع مرور أكثر من عامين على النزاع، بدأت بعض المؤشرات تظهر حول عودة تدريجية لبعض النازحين السودانيين من مصر إلى وطنهم، في خطوة تعكس مزيجًا من التحديات الإنسانية والضغوط الاقتصادية والحنين إلى الديار، وسط مشهد لا يزال مضطربًا في الداخل السوداني.
ورغم حفاوة الإحتواء المصري لهم إلا أن دوافع العودة متعددة، منها الحنين إلى الوطن والروابط الأسرية، فكثير من السودانيين النازحين في مصر يواجهون صعوبة في التكيف طويل الأمد في بلد اللجوء، رغم القرب الثقافي والجغرافي والجهود المصرية الرسمية والشعبية لتسهيل حياتهم وتقديم يد العون دائما لهم، لكن، تعيش بعض العائلات حالة انقسام، حيث بقي بعض أفرادها في السودان، ما يدفع البعض إلى العودة للمّ الشمل.
اقرأ أيضا: السودان في أسبوع.. المجاعة والكوليرا يزيدان أوجاع الأهالي.. وخطة حكومية لتأهيل الخرطوم
أيضا، الضغوط الاقتصادية العالمية، سببت ارتفاع تكاليف المعيشة عليهم في مصر، مع غياب فرص العمل الكافية للنازحين او مصادر ثابتة للدخل، مع عدم كفاية الدعم المقدم من المنظمات الدولية للاجئين خارج المخيمات.
وكذلك صعوبة في الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم رغم جهود الحكومة المصرية والجهات المعنية، خاصة مع عدم وجود صفة لاجئ رسمي لكثير من النازحين السودانيين.
أيضا من دوافع العودة، استقرار نسبي في بعض مناطق السودان، فقد بدأت بعض المناطق، خاصة في شمال السودان ووسطه، تشهد هدوءًا نسبيًا بعد أن كانت خارج نطاق العمليات العسكرية، مثل مناطق دنقلا وكريمة وبعض مناطق النيل الأزرق، اضافة الي تحرير الخرطوم وام. درمان بالكام، كما أن هناك تقارير تفيد بمحاولات من لجان مجتمعية لترميم المدارس والمراكز الصحية بالسودان تمهيدًا لاستقبال العائدين، وخطط للبدء الفوري في إعادة إعمار الخرطوم كبداية لإعادة إعمار كاملة للسودان.
كما ان دوافع العودة تتعدد، فإن آليات العودة كذلك تتعدد, منها عودة فردية عشوائية وغير منظمة،حيث معظم العائدين يعودون على نفقتهم الخاصة، عبر المعابر البرية (خاصة معبر قسطل، أشكيت)، دون تنسيق رسمي مع مفوضية اللاجئين أو السلطات المصرية، وفي هذه الحالة لا توجد ضمانات أمنية ولا ترتيبات لإعادة الاندماج في السودان.
خاصة أنه لا تزال الحكومة السودانية غير قادرة على إطلاق برنامج وطني شامل لإعادة النازحين بسبب استمرار الحرب.
لكن بدأ الإعلان الرسمي من الجانب المصري عن بدء عمليات العودة الطواعية التدريجية المنظمة بشكل جيد وعبر تنسيق مع السودان ومع الجهات المعنية بشؤون اللاجئين.
ولا يمكن إغفال المخاطر والتحديات في العودة الأن رغم تشجيع الحكومة السودانية عليها، منها المخاطر الأمنية داخل السودان،حيث لا تزال مناطق واسعة من العاصمة الخرطوم، ودارفور، وكردفان تشهد اشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع، والخطر الأكبر يتمثل في احتمالات التجنيد القسري لدي الميليشيات المسلحة أو الوقوع في مناطق الاشتباك.
أيضا، غياب الخدمات الأساسية، فالبنية التحتية منهارة في عدد من المناطق، ولا توجد ضمانات لاستئناف الدراسة أو توفير الرعاية الصحية.
إضافة إلي أن المجاعة باتت تهدد بعض الولايات، حسب تقارير أممية حديثة (يونيسف وبرنامج الغذاء العالمي).
بالتأكيد، العودة في ظل اللا استقرار السياسي تمثل مخاطرة كبيرة، لكنها تعكس يأسًا من واقع اللجوء في الخارج.
عدم وجود دعم دولي كافٍ يجعل العودة مغامرة محفوفة بالمخاطر، وقد تؤدي إلى نزوح داخلي جديد.
الشق الإيجابي أن هذه العودة قد تكون مؤشرًا لبدء مرحلة جديدة إذا ترافقت مع اتفاق سياسي شامل وإنهاء للاقتتال.
يتوجب على المجتمع الدولي ألا يفسر هذه العودة على أنها نهاية للأزمة، بل كمؤشر إلى ضرورة مضاعفة الجهود لدعم النازحين سواء في دول الجوار أو داخل السودان.
العودة إلى السودان من مصر هي خطوة بالغة التعقيد، تعكس تفاعل العوامل الاقتصادية والنفسية والسياسية، وتطرح أسئلة حول مستقبل النزوح السوداني في ظل صراع ممتد. وبين الحنين إلى الوطن والمخاطر الماثلة، يظل المشهد هشًا، يتطلب تدخلاً عاجلًا لتوفير شروط العودة الآمنة والكريمة، إن وُجدت إرادة سياسية لذلك.



