عبد الباسط يونس يكتب.. ترامب يطلق النار على قدمه بالرسوم الجمركية على الصين
رئيس وحدة الدراسات الاسيوية مركز العرب للأبحاث والدراسات

أطلق النار على قدمه هو مصطلح يستخدم عندما يقوم شخص بعمل (عادة ما يكون سلبيا) يرتد عليه ويتسبب بإيذائه
هذه المقولة تنطبق على التعريفات الجمركية التي بدأ الرئيس الامريكي دونالد ترمب بتطبيقها منذ الأيام الأولى لولايته الحالية مطلع العام 2025
وبدأ ترامب في استهداف الدول بهذه الرسوم الجمركية بنسب متفاوتة فلم يستثني أحدا في العالم تقريبا وفي كافة القطاعات الصناعية والاقتصادية والزراعية لكن الصين جاءت في المرتبة الأولى من هذا الاستهداف وبدت المسألة بالنسبة لترمب كأنها حرب مع الصين والهدف منها تدمير اقتصادها واخضاعها للمنظومة الأمريكية وجعلها خارج دائرة المنافسة العالمية مع الولايات المتحدة
وسنضرب عدة أمثلة حتى تتضح معالم هذا الصراع خصوصا في المنتجات الزراعيه وتأثيرها السلبي المرتد على الولايات نفسها
ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى حرب الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة والمعادن النادرة بين الصين والولايات المتحدة، يتحول فول الصويا من سلعة استراتيجية إلى سلاح تستخدمه بكين بشكل عكسي للضغط على واشنطن بعد الرسوم الجمركية
تعتبر الولايات المتحدة منتجا رئيسيًا ومُصدرًا كبيرًا لفول الصويا، حيث تحتل المرتبة الثانية عالميًا في الإنتاج والتصدير بعد البرازيل.
وتُعد بكين أكبر مستورد لفول الصويا في العالم والمشتري الأبرز للبذرة الزيتية الأمريكية، إذ استوردت ما قيمته 12.6 مليار دولار من الولايات المتحدة العام الماضي 2024 ، بما يعادل 52% من إجمالي الصادرات الأمريكية من المحصول، على خلفية فرض رسوم جمركية متبادلة بين البلدين، بحسب بيانات رسمية لوزارة الزراعة الأمريكية
وقد أظهرت بيانات الجمارك الصينية، أن بكين أحجمت بشكل تام عن شراء فول الصويا من الولايات المتحدة خلال سبتمبر الماضي، حيث تراجعت الواردات إلى الصفر مقارنة بـ1.7 مليون طن متري في سبتمبر من العام الماضي
وهي المرة الأولى منذ نوفمبر 2018 التي تنخفض فيها الشحنات إلى الصفر.
ترامب اعتبر أن قرار مستوردي فول الصويا الصينيين التوقف عن شراء فول الصويا من الولايات المتّحدة بمثابة “عمل عدائي اقتصادي” يضرّ بالمزارعين الأمريكيين.
فيما أدرج الرئيس دونالد ترامب المعادن النادرة والفنتانيل وفول الصويا على رأس قائمة القضايا الرئيسية للولايات المتحدة مع الصين قبيل عودة الجانبين إلى طاولة المفاوضات مع اقتراب انتهاء الهدنة التجارية، وكان قد صرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بأن الولايات المتحدة والصين ستعقدان محادثات في وقت لاحق من أواخر شهر اكتوبر في ماليزيا.
واشتعلت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، خلال الأسابيع الأخيرة بعد أشهر من الهدوء النسبي. وفرض ترمب رسوماً جمركية إضافية بنسبة 100 في المائة على الصين، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من نوفمبر ، بعد أن أعلنت الصين عن ضوابط تصدير على جميع المعادن النادرة تقريباً
وفي أبريل الماضي، رفعت بكين الرسوم الجمركية على واردات الصويا الأمريكية إلى أكثر من 80%، مقابل 34% سابقاً، في رد مباشر على قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع الرسوم على السلع الصينية
يُذكر أن الموسم التسويقي لفول الصويا في الولايات المتحدة يبدأ في الأول من سبتمبر من كل عام ويستمر حتى نهاية أغسطس من العام التالي، وفق بيانات وزارة الزراعة الأمريكية.
الاتجاه نحو البرازيل
– اتجهت بكين إلى دول أمريكا الجنوبية لتلبية احتياجاتها، حيث قفزت الشحنات القادمة من البرازيل بنسبة 29.9% إلى 10.96 مليون طن خلال سبتمبر، ما يمثل 85.2% من إجمالي واردات الصين من البذرة الزيتية، بينما ارتفعت الواردات من الأرجنتين بنسبة 91.5% إلى 1.17 مليون طن.
يشير النهج الصيني إلى تحول حاد في سياسة بكين بشأن التعامل مع تصريحات وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ كانت بكين تتأني وغالباً لم تكن تتولى زمام المبادرة في التصعيد، إلا أن الأسابيع الأخيرة شهدت سبق بكين إلى التصعيد التجاري ، بداية بفول الصويا مروراً بالضوابط على صادرات المعادن الأرضية النادرة.
أزمة وشيكة
وفي حال عدم تحقيق تقدم في محادثات التجارة بين بكين وواشنطن، قد يواجه المزارعون الأمريكيون خسائر بالمليارات خلال الموسم الحالي، وسط استمرار عزوف الصين عن استيراد فول الصويا الأمريكي، والاعتماد على أسواق أمريكا الجنوبية كمورد رئيس.
فيما قد تواجه بكين أيضا نقصا محتملا في إمدادات فول الصويا خلال الفترة بين فبراير وأبريل 2026، قبل طرح محاصيل البرازيل الجديدة في السوق.
– ويواجه المزارعون الأمريكيون الذين يصدرون محصولهم مباشرة إلى آسيا أزمة كبيرة مع تراجع الطلب الصيني، خاصة مع ارتفاع أسعار الأسمدة ومدخلات الإنتاج الأخرى فضلًا عن فوائد القروض المرتفعة، ما قد يهدد بإفلاس بعض المزارعين خاصة في ولاية نبراسكا.
وخلال محادثات في شرق نبراسكا وواشنطن العاصمة بهذا الخصوص ، لجأ بعض المزارعين للضغط على المشرعين للحصول على دعم مالي قبل موسم الحصاد، وأعرب عدد منهم لوسائل إعلام أمريكية ، عن شعورهم بأنهم أصبحوا مجرد ورقة تفاوض بين الولايات المتحدة والصين، عالقين في صراع تجاري يهدد مستقبل محاصيلهم.
شريك غير موثوق
– مدير مركز دراسات أمريكا اللاتينية في معاهد شنغهاي للدراسات الدولية نيو هايبين قال: من وجهة نظر الصين، الولايات المتحدة أصبحت موردا غير موثوق بسبب أعمالها الأخيرة ، وهو ما دفع بكين إلى تنويع مصادر فول الصويا وتقليل اعتمادها على السوق الأمريكي.
مستقبل غامض
– في النهاية، يبدو أن فول الصويا لم يعد مجرد سلعة زراعية، بل أصبح ورقة استراتيجية في الصراع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم، ومع استمرار التوترات وتأجيل أي اتفاق بين واشنطن وبكين، يظل مستقبل المزارعين الأمريكيين غير مؤكد، بينما تحاول الصين تأمين احتياجاتها الزراعية من مصادر بديلة.



