رأي

صبري الديب يكتب.. دين أبو “ترامب ونتنياهو”

كل المؤشرات تؤكد أن الخطوة المقبلة في خطة ترامب المبهمة للسلام في الشرق الأوسط ــ إن قُدِّر لها النجاح ــ سوف تنتقل إلى فرض مزيدٍ من الضغوط على عددٍ من الدول العربية للانضمام إلى “اتفاقيات إبراهام”، التي تفرض تطبيعًا إجباريًا مع تل أبيب، استنادًا إلى تعاليم “الدين الإبراهيمي” الهلامي الجديد، الذي تحاول أمريكا وإسرائيل فرضه على المنطقة منذ سنوات.

قصة الدين الأمريكي الإسرائيلي الجديد بدأت فصولها قبل نحو خمس سنوات، وتحديدًا قبل انتهاء الولاية الأولى لترامب، الذي كان قد منح صهره “جاريد كوشنر” الضوء الأخضر للضغط على أربع دول عربية للتوقيع على اتفاقيات تطبيع مع الكيان الصهيوني، وتمريرها تحت مسمى اتفاقيات “إبراهام” في إشارة إلى الاسم العبري لـ”نبي الله إبراهيم”، ما أثار كثيرًا من الشكوك حول الأهداف التي يرمي إليها “ترامب ونتنياهو” من وراء استخدام اسم أبي الأنبياء عليه السلام.

غير أن تلك الشكوك سرعان ما تبلورت بعد أيامٍ معدودةٍ من نجاح كوشنر في مهمته وضم الدول العربية الأربع إلى قطار التطبيع، حيث ساد المنطقة ضجيجٌ مجنون ودعواتٌ شاذةٌ لدينٍ جديدٍ يسمى “الدين الإبراهيمي”، أطلقتها مراكز بحثية عالمية مشبوهة تُعرف بـ”مراكز الدبلوماسية الروحية”، تتخذ من البحث في ظواهر تفشي الإرهاب والجريمة ستارًا لنشر أبحاثٍ مغلوطة، تحمل الأديان السماوية الثلاث مسؤولية كل الصراعات والفتن والإرهاب في العالم.

وهي ـ للأسف ـ المراكز المشبوهة ذاتها التي داوم الأمريكيون على زرعها للعمل في الدول الفقيرة ومناطق الصراعات، تحت ستار “إنساني”، لتقديم المساعدات المادية والعينية والطبية للفقراء والجوعى والمشرّدين في العلن، غير أن نشاطها في الباطن يركّز على محو هويتهم الدينية تحت ضغط الحاجة، من خلال التشكيك في الأديان السماوية، وتصويرها كمسؤولٍ أول ومباشرٍ عن كل الصراعات والحروب والفتن في العالم.

غير أن الأخطر في الدور القذر لتلك المراكز، أنها تقدم دين “ترامب ونتنياهو” الجديد للجوعى كنموذجٍ مبهرٍ لإعلاء قيم المحبة والتسامح والمساواة وتقبّل الآخر، وحلّ كل الصراعات، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن تقديم صورةٍ مثاليةٍ للكيان الصهيوني في محاولةٍ لتغيير نظرة الكراهية تجاهه، وتمكينه من التوغل في تلك الدول.

الغريب في الأمر أن المشروع الديني العبثي الذي يطرحه الأمريكيون والإسرائيليون سبق أن فشل في العالم أكثر من مرة؛ حيث تم طرحه في عام 1811 تحت مسمى “الميثاق الإبراهيمي” للجمع بين المؤمنين من مختلف الديانات في الشرق والغرب، ولم يجد أدنى صدى. كما تناوله المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في عام 1949 في مشروع “الصلوات الثلاث لإبراهيم”، وفشل أيضًا.

ثم أعاد الأمريكيون والإسرائيليون إحياءه من خلال مشروع “الديانة الإبراهيمية”، بعد أن شرعوا في نهاية التسعينيات في دعم “مراكز الدبلوماسية الروحية” من خلال “برنامج أبحاث الحرب والسلام الأمريكي”، الذي قام باختبار مفهوم الدين الجديد بشكلٍ فعلي عام 2000 بالتعاون مع جامعة هارفارد، التي أوفدت في ذلك الحين فريقًا بحثيًا على مستوى عالٍ إلى دول الشرق الأوسط، لدراسة ردود أفعال المسلمين والمسيحيين واليهود تجاه الدين الذي يحمل اسم نبي الله إبراهيم، وتصديره للمنطقة كنموذجٍ لإعلاء قيم التسامح وقبول الآخر وإنهاء الصراعات.

الواقع يقول إن الاتفاقات والدين الجديد، اللذين تسعى واشنطن وتل أبيب لفرضهما على المنطقة، لا يعدوان أكثر من وهمٍ من المستحيل أن يتحقق، لا لشيءٍ سوى أنه يهدف إلى تكوين “تحالفٍ عربي ـ إسرائيلي” هلامي يضمن أمنًا ونفوذًا للكيان المحتل تحت قيادة تل أبيب، من خلال مفاهيم عقائديةٍ مجنونةٍ يتم توظيفها بعبثٍ لأغراضٍ سياسيةٍ غير مدروسة، لم تُراعَ الحد الأدنى من القناعات والعقائد الدينية لأصحاب الديانات السماوية الثلاث، التي يصعب الاقتراب أو العبث بثوابتها ولو بمجرد الإشارة، وهو ما يجعل من دين “ترامب ونتنياهو” مجرد “سراب”.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى