سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. مصر في قلب العاصفة: الدور المشرف في إنهاء حرب غزة

في خضم واحدة من أعقد الحروب التي شهدتها المنطقة منذ عقود، برزت مصر بوصفها الركيزة الأكثر اتزانًا في مشهدٍ عربي وإقليمي مرتبك.
منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر عام 2023، أدركت القاهرة مبكرًا خطورة المسار العسكري وتداعياته الإنسانية والسياسية، فتحركت وفق رؤيةٍ واضحةٍ تقوم على احتواء الأزمة ومنع تمددها، وتثبيت منطق الدولة في مواجهة فوضى السلاح والانفعال.
لم يكن تحركها رد فعلٍ طارئًا، بل كان امتدادًا لدورها التاريخي في حماية الأمن القومي العربي، وصون استقرار الإقليم، والدفاع عن القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع العربي – الإسرائيلي.
وبينما انشغل العالم بحسابات القوة والمصالح، ظلت مصر توازن بين متطلبات الواقع ومقتضيات المبدأ، لتؤكد مجددًا أن الدبلوماسية الواعية يمكن أن تكون أداة إنقاذ لا مجرد وسيلة تفاوض.
لم تغب القاهرة عن المشهد لحظة واحدة؛ بل كانت في قلب العاصفة، تتحرك بثباتٍ واتزان، وتؤكد للعالم أن الأخوة ليست شعارًا يُرفع، بل موقف يُصاغ بالفعل والتضحية.

عامان من الحرب والدمار والنزوح لم يبدلا من الموقف المصري، بل زاداه ثباتًا وإصرارًا.
فمصر، التي تعرف معنى التاريخ والجيرة والإنسانية، لم تتخلَّ عن غزة يومًا، لأنها لا تراها عبئًا على حدودها، بل قطعة من وجدانها وامتدادًا لروحها.
منذ الساعات الأولى للحرب، فتحت القاهرة معبر رفح رغم القصف والتهديدات، لتدخل المساعدات الغذائية والطبية، وتنقل الجرحى، وتمنح الناس بصيص أملٍ في ليلٍ طويلٍ من الألم.
لم تفعل ذلك طلبًا لشكرٍ أو مكسب؛ بل لأنها مصر الدولة التي تتقدّم عندما يتراجع الجميع، وتتحرك حين يصمت العالم.
وفي ميدان السياسة، خاضت مصر معركة من نوعٍ آخر؛ معركة الحكمة والعقل.
احتضنت المفاوضات، وسعت بكل جهدٍ لوقف نزيف الدم وحماية ما تبقّى من حياة.
لم يكن طريقها مفروشًا بالورود، لكنها آمنت بأن العدل هو الطريق الوحيد إلى السلام، وأن لا هدنة تصمد ما لم تُبنَ على احترام الإنسان وحقّه في الحياة.
ومن داخل الغرف المغلقة، خرج الصوت المصري واضحًا وحازمًا.
“دمُ الفلسطيني ليس ورقة تفاوض، وغزة ليست ميدانًا لتصفية الحسابات.”
كانت تلك الرسالة جوهر الموقف المصري، فحازت احترام العالم وأعادت التوازن إلى لغة السياسة وسط صخب الحرب.
لم تسع مصر إلى دورٍ عابر؛ بل أدت واجبها التاريخي الذي حملته منذ أن كانت أول من احتضن القضية الفلسطينية، وآخر من ظل وفيًا لها.
ولم يكن الدور المصري محصورًا في الجهود الدبلوماسية فحسب؛ بل امتد إلى القيادة العربية والدولية.
جمعت القاهرة على أرضها الدول المؤثرة في المنطقة والعالم، بحضور قادة عرب وأوروبيين، إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتضع حدًا لمسار الدم، وتعيد ترتيب المواقف السياسية لضمان وقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
ولتكون شاهدة ومعها العالم كله على نهاية أكبر مأساة إنسانية عاشها شعبٌ أعزل، صمد رغم الجراح وتمسك بحلمه في الحياة والحرية.
لقد أدركت مصر أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال موقف جماعي عربي ودولي، وأن القضية الفلسطينية مسؤولية لا يمكن لأي دولة التنصل منها.
واليوم، بعد عامين من حربٍ أكلت الحجر والبشر، تبقى مصر واقفة كما عهدناها الدرع الحامية لغزة، وصوت الحق في زمنٍ يزداد فيه الصمت.
تعمل بصبرٍ، وتتحمل بصمتٍ، لكنها لا تتراجع عن واجبها القومي والإنساني مهما تعاظمت التحديات.
وبعد وقف إطلاق النار، لم يقتصر الدور المصري على حماية الأرواح؛ بل امتد إلى العمل على إعادة إعمار غزة، حيث ستقدم مصر ما هو مطلوب لإعادة الإعمار بالتنسيق مع الشركاء العرب والأوروبيين، لإعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات التي دمرتها الحرب، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، واستعادة غزة جزءًا من حياتها الطبيعية، ومنح سكانها أملًا جديدًا في المستقبل.
وغدًا، حين يُكتب تاريخ هذه الحرب، ستبقى شهادة الحق محفوظة؛ إن القاهرة كانت كما كانت دومًا اليد التي أوقفت النزيف، والنور الذي أضاء الطريق وسط الخراب، والقلب الذي لم يتوقف عن النبض من أجل فلسطين، سواء في ميادين السياسة أو على أرض الواقع من خلال إعادة البناء والإعمار.
لقد أثبتت مصر أن الدور العربي والدولي لا يكتمل إلا بموقفٍ شجاعٍ وواعٍ، وأن التضامن الحقيقي مع غزة يعني العمل والموقف لا الكلام فقط.
وهكذا، تبقى القاهرة مثالًا حيًا على الوفاء والتاريخ والضمير الإنساني، وصمام الأمان لغزة وللشعب الفلسطيني، في أصعب الأوقات وأقساها.



