سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. غزة بين التكرار والانهيار: هل تتعلم حماس من درس الشمال ورفح؟

غزة … هذه البقعة التي تحوّلت إلى مختبر دموي للتجارب السياسية والعسكرية. شمالها دُمّر عن بكرة أبيه، ورفح التي كانت آخر الملاذات صارت رمادًا، والناس تائهون بين خيمة وأخرى، يبحثون عن مأوى أو جرعة ماء أو فتات خبز.
المأساة ليست فقط في القصف، بل في التكرار القاتل: ذات الأخطاء، ذات الشعارات، ذات الشعور الزائف بالنصر، بينما الشعب يدفع الثمن مضاعفًا.
نحن اليوم أمام مشهد يقترب من الجنون: أكثر من ٧٠٠ يوم من الإبادة، والدم ما زال ينزف، والخراب يتمدد من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع. الزمن صار شاهدًا إضافيًا على عجز القيادات، وعلى صمود الناس في وجه المحرقة.
حماس اليوم ليست أمام خيار سياسي عادي، بل أمام امتحان وجودي. هل ستبقى أسيرة خطابها المتصلب الذي لم يجلب سوى الخراب؟ أم ستتوقف لحظة لتتعلم من درس الشمال ورفح، حيث لم يبقَ حجر على حجر؟
الناس لم يعودوا يحتملون أن يكونوا وقودًا في معركة لا أفق لها. صبر غزة ليس بلا نهاية، ودماؤها ليست رخيصة لتساق على موائد المساومات.
الهزيمة العسكرية يمكن تجاوزها، أما التكرار فهو الانتحار البطيء. حين تعيد الحركة إنتاج نفس السيناريو، بنفس الأدوات، وبنفس العقلية، فهي تدفع غزة نحو انهيار كامل: إنساني، اجتماعي، وسياسي.
هل تدرك حماس أن المقاومة ليست مجرد شعار، بل عقل، إدارة، وحسابات دقيقة؟ هل تفهم أن الشعب الذي يتضور جوعًا ويُسحق تحت الركام يحتاج إلى ما هو أكثر من خطاب تعبوي؟
رفح كانت آخر ما تبقى، آخر جدار للأمل، وحين سقطت، سقط معها وهم “الملاذ”. واليوم التهديد بات أكبر: الاحتلال يستعد لتصفية ما تبقى من غزة، على غرار ما جرى في رفح والشمال. وإذا لم تستوعب الحركة هذه الحقيقة، فإن القادم سيكون أظلم، ليس فقط لغزة، بل لمشروعها بأكمله.
غزة أكبر من أي فصيل، وأقدس من أي شعار. لا يحق لحماس ولا لغيرها أن تحصر مستقبلها في مربع الحسابات الضيقة. الشعب يريد حياة، لا موتًا متكررًا. يريد مستقبلًا لأبنائه، لا أن يعيشوا أسرى خيمة أو لاجئين داخل وطنهم.
السؤال الجوهري اليوم: هل تتعلم حماس من درس الشمال ورفح؟ أم تصرّ على تكرار الكارثة حتى النهاية؟
إذا لم يحدث تحوّل جذري في التفكير والإدارة، فإن غزة ستظل تدور في حلقة جحيمية من التكرار والانهيار. وحينها لن يرحمها التاريخ، ولن يغفر لها الشعب.


