تقدير موقف

رامي زُهدي يكتب.. القاهرة عاصمة العواصم وممر الأمن والسلم في المنطقة

حين تتسارع التحولات وتضطرب خرائط المصالح والنفوذ، تبقى القاهرة بحكم التاريخ والجغرافيا والدور هي البوصلة التي لا تفقد اتجاهها، والعاصمة التي تتجاوز حدودها السياسية لتصبح مركز القرار العربي والأفريقي والشرق أوسطي، وممر الأمن والسلم الإقليمي والدولي، وركيزة التوازن الاستراتيجي في محيط متشابك المصالح ومفتوح الأزمات. فليست القاهرة مجرد مدينة تضج بالحياة، بل هي إرادة دولة تتجدد في مواجهة تحديات كبرى، وقيادة تمتلك رؤية واقعية لصناعة الاستقرار الإقليمي من قلب العواصف.

لقد أثبتت مصر، مرة بعد أخرى، أن استقرار المنطقة يبدأ من نيلها وينتهي عند بوابتها الشرقية، وأن أمنها القومي لم يعد مجرد قضية وطنية؛ بل منظومة شاملة تمتد لتشمل عمقها العربي والأفريقي والمتوسطي، فحين تتحدث القاهرة عن السلام، فإنها لا تطرحه بوصفه خيارًا سياسيًا مؤقتًا، بل باعتباره عقيدة دولة وسلوكًا حضاريًا متجذرًا في فلسفة القيادة المصرية الحديثة التي جعلت من الدبلوماسية الواقعية أداة لإطفاء الحرائق لا لإشعالها، ومن القوة الرشيدة بديلًا عن القوة الغاشمة.

قمة شرم الشيخ للسلام 2025 كانت مثالًا واضحًا على هذا النهج، إذ تحولت مصر مجددًا إلى منصة جامعة للحوار العالمي في لحظة صراع محتدم بالمنطقة، بين دعوات التهدئة ومحاولات التصعيد. وبرئاسة مشتركة للرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، نجحت القمة في وضع محددات جديدة لفلسفة إدارة الأزمات الإقليمية، وفق معادلة مصرية تقوم على التوازن بين الحق والواجب، والاعتراف المتبادل بالحقوق، ورفض الحلول المفروضة أو التدخلات المنفردة، لقد أكدت القمة أن القاهرة لم تعد فقط وسيطًا بين المتنازعين، بل أصبحت ضامنًا للسلام، ومركز ثقل دبلوماسي يمتلك أدواته المستقلة وقدرته على صياغة المواقف بما يخدم مصالح شعوب المنطقة واستقرارها.

ولا يمكن فهم الدور المصري الراهن في إرساء السلم والأمن بمعزل عن التحولات البنيوية التي شهدتها الدولة المصرية خلال العقد الأخير، فالقاهرة اليوم تقود نموذجًا جديدًا من الدبلوماسية الشاملة التي تمزج بين العمل السياسي والاقتصادي والإنساني، فقد تجاوزت مصر فكرة الدور التقليدي القائم على الوساطة السياسية إلى دور تكاملي يشمل إعادة الإعمار، والتنمية، والاستثمار المشترك، وهذه الرؤية تتجسد في أرقام واضحة؛ فمصر خلال السنوات الخمس الأخيرة وقعت أكثر من 40 مذكرة تفاهم في مجالات إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة مع دول عربية وأفريقية، وارتفع حجم استثماراتها المباشرة في أفريقيا إلى ما يزيد على 13 مليار دولار، فيما تجاوز حجم التبادل التجاري مع القارة 7.2 مليار دولار عام 2024، وفق بيانات وزارة التجارة والصناعة. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية؛ بل أدوات سياسية لصناعة الاستقرار، ورسائل طمأنة مفادها أن الأمن يبدأ من التنمية، وأن من يريد السلام عليه أن يصنع فرصًا للحياة.

لقد بنت القاهرة خطابها السياسي على معادلة بسيطة لكنها عميقة: «لا أمن بلا سلام، ولا سلام بلا تنمية، ولا تنمية بلا شراكة». ومن هنا جاءت تحركاتها في ملفات متعددة؛ بدءًا من دعم القضية الفلسطينية ورفض التهجير، مرورًا بجهودها في وقف الحرب في السودان وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ووصولًا إلى دعمها المستمر لمبادرات السلام في ليبيا واليمن. وفي كل هذه الملفات حافظت مصر على ثوابت راسخة: وحدة الدولة، واحترام سيادتها، ورفض تقسيم الشعوب تحت أي ذريعة. وقد استطاعت القاهرة بفضل سياستها المتوازنة أن تحافظ على علاقات إيجابية مع أطراف متناقضة في النزاعات الإقليمية، دون أن تفقد احترام أي منها، وهو أمر لم تستطع أي عاصمة أخرى في المنطقة تحقيقه بهذه الدقة.

إن وصف القاهرة بأنها “عاصمة العواصم” ليس وصفًا مجازيًا بقدر ما هو اعتراف بدورها الواقعي في هندسة توازنات المنطقة؛ فمنها تنطلق المبادرات، وإليها تتجه الأنظار كلما تعقدت المسارات، وهي، بحكم موقعها ووزنها السياسي والديموغرافي والعسكري، تمثل ما يزيد على 50 % من ثقل القرار العربي، وقرابة 35 % من الناتج القومي العربي، إلى جانب كونها صاحبة أكبر جيش عربي وأحد أقوى الجيوش الإقليمية وفق مؤشرات “جلوبال فاير باور”. لكن ما يمنح القاهرة هذا الموقع المتقدم ليس فقط عناصر القوة الصلبة، بل قدرتها على ممارسة القوة الناعمة بوعي واحتراف. فمصر التي تبني اليوم تحالفات تنموية مع أفريقيا، وتؤسس ممرات لوجيستية تربط البحرين الأحمر والمتوسط، وتطلق شراكات صناعية وزراعية مع دول الجوار، هي نفسها التي تنشر الثقافة والتعليم والإعلام والفن كأدوات للتقارب بين الشعوب.

ومع نهاية قمة شرم الشيخ للسلام 2025، بدا واضحًا أن مصر قد رسخت نموذجها الخاص في إدارة العلاقات الدولية؛ نموذج يقوم على الحوار لا الإملاء، وعلى بناء الثقة لا فرض الإرادة، فقد خرجت القمة ببيان يعيد الاعتبار لفكرة السلام العادل القائم على احترام القانون الدولي، وحق الشعوب في الأمن والتنمية. وقد حظيت الرؤية المصرية بدعم من أكثر من 35 دولة مشاركة، ما يعكس حجم الثقة الدولية في قدرة القاهرة على صياغة حلول وسط بين مصالح متعارضة، وهذا النجاح الدبلوماسي يوازيه نجاح ميداني في تثبيت التهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ونجاح لوجيستي في إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر معبر رفح، ونجاح استراتيجي في حماية حدود الدولة المصرية من تداعيات الفوضى في السودان وليبيا.

ولعل جوهر العبقرية المصرية يكمن في تلك القدرة على إدارة التناقضات دون صدام، وعلى حماية الأمن القومي دون الانعزال، وعلى تحقيق المصلحة الوطنية دون التفريط في البعد الإنساني. فمصر، وهي ترفع شعار “السلام خيار الأقوياء”، تدرك أن السلم ليس ضعفًا؛ بل نضج، وأن القوة ليست مجرد سلاح؛ بل رؤية.

إن القاهرة تمارس دورها من موقع الفاعل لا المتلقي، ومن منطلق الإيمان بأن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، لكنها تبدأ من قرار مصري واعٍ بأن لا استقرار في الشرق الأوسط دون مصر.

إن قراءة المشهد الإقليمي اليوم لا تكتمل إلا بفهم الدور المصري كمحور توازن بين القوى الكبرى، فبين واشنطن وموسكو، وبين بروكسل وبكين، استطاعت القاهرة أن تحافظ على معادلة دقيقة قائمة على الاستقلالية، وأن تفرض احترامها كدولة لا تُدار من الخارج. كما أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن كل محاولة لإعادة هندسة النظام الإقليمي بمعزل عن مصر، مصيرها الفشل، لأن القاهرة تمثل نقطة التقاء الأمن المائي والطاقي والغذائي والملاحي في المنطقة. فهي بوابة أفريقيا إلى الشرق الأوسط، وممر آسيا إلى أوروبا، ونقطة ارتكاز البحرين الأحمر والمتوسط، ومفتاح أمن الممرات الدولية التي تمر عبر قناة السويس التي شهدت خلال عام 2024، عبور أكثر من 26 ألف سفينة بإجمالي حمولة تجاوزت 1.4 مليار طن، وفق إحصاءات هيئة قناة السويس، ما يجعلها أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

من هنا، حين نتحدث عن «القاهرة عاصمة العواصم»، فنحن لا نصف مدينة؛ بل نتحدث عن فكرة، ولا نستحضر تاريخًا؛ بل نقرأ مستقبلًا؛ مستقبلًا يتأسس على أن مصر ليست مجرد دولة تسعى للسلام، بل هي صانعة له، وأنها لا تكتفي بتأمين حدودها، بل تبني حولها طوقًا من الاستقرار والتنمية يصون الإقليم بأسره من الانهيار، ففي عالمٍ يعاد فيه رسم خرائط المصالح والتحالفات، تظل القاهرة هي النقطة التي يُقاس عندها الاتزان، وممر الأمن والسلم الذي لا يغلق أبوابه أمام أحد.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى