رأي

د. نبيل أبو الخير يكتب.. أفريقيا بين الماضي والحاضر وتأثيرها على الأمن القومي المصري

تتناول هذه المقالة الأهمية الاستراتيجية للقارة الأفريقية بالنسبة للأمن القومي المصري، مع التركيز بشكل خاص على منطقة القرن الأفريقي، وذلك من خلال رصد التحولات التاريخية والجيوسياسية وسبل التحرك المصري المستقبلي.

أولًا: أفريقيا ومكانتها الاستراتيجية

تُعد أفريقيا ثاني أكبر قارة في العالم (30 مليون كم²)، وتمتلك ثروات هائلة: 60 % من الأراضي الصالحة للزراعة عالميًا، ومعظم احتياطيات الذهب والبلاتين والكروم واليورانيوم والعديد من المعادن النادرة. ورغم ذلك، يعاني معظم دولها الفقر نتيجة ضعف الدولة المركزية، والفساد، والانقلابات العسكرية، والصراعات الداخلية.

عانت القارة قرونًا من الاستعمار الأوروبي (بريطانيا، فرنسا، البرتغال، بلجيكا، إيطاليا)، ثم شهدت موجة استقلال واسعة عام 1960. لعبت مصر دورًا محوريًا في دعم حركات التحرر الوطني الأفريقية، وتحولت القاهرة إلى منارة لهذه الحركات.

ثانيًا: الأمن القومي المصري وأفريقيا

تشكل نقطتان أساسيتان تهديدًا وجوديًا للأمن القومي المصري في أفريقيا:

  1. نهر النيل (85 % من مياه مصر تأتي من النيل الأزرق الإثيوبي).
  2. مضيق باب المندب وأمن البحر الأحمر (يؤثر مباشرة على قناة السويس).

لهذا فإن التحالفات القوية مع الدول الأفريقية ضرورة حتمية. شهدت مصر تراجعًا في نفوذها الأفريقي بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا 1995، ثم تجميد عضويتها في مجلس السلم والأمن الأفريقي 2013. منذ 2014، ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، عادت مصر بقوة من خلال:

  • زيارات رفيعة المستوى.
  • عودة الشركات المصرية الكبرى (المقاولون العرب – النصر).
  • مشروعات تنموية كبرى (سد يوليوس نيريري في تنزانيا – مشروعات الربط الكهربائي).
  • برامج تعليمية وبعثات طلابية أفريقية.

كما غيرت مصر خطابها من “تقديم المساعدات” إلى “الشراكة والتنمية المشتركة”، وهو النهج الذي نجحت فيه الصين، بينما فشلت الولايات المتحدة وأوروبا بسبب النهج الاستعلائي، في حين دخلت إسرائيل بقوة عبر الزراعة والتكنولوجيا.

ثالثًا: الانتماء الأفريقي المصري والقوة الناعمة

مصر جزء لا يتجزأ من أفريقيا تاريخيًا (الحضارة الفرعونية) وثقافيًا وجغرافيًا. استعادت مصر جزءًا كبيرًا من مكانتها منذ 2014، ويجب استكمال ذلك عبر:

  • بناء تحالفات استراتيجية.
  • تغيير الخطاب إلى الشراكة.
  • تفعيل القوة الناعمة (تعليم – إعلام – ثقافة – رياضة).

رابعًا: أهمية القرن الأفريقي وتحولاته الجيوسياسية

يُعد القرن الأفريقي من أكثر المناطق حيوية استراتيجيًا بسبب إطلالته على البحر الأحمر وباب المندب. يُقسم إلى:

  • تقسيم ضيق: إثيوبيا – إريتريا – جيبوتي – الصومال.
  • تقسيم واسع: يضاف إليهما السودان وكينيا.

التحولات الرئيسية:

  1. تزايد أهمية الموانئ (بربرة – جيبوتي – مصوع – عصب) مع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
  2. عسكرة المنطقة: قواعد أمريكية – فرنسية – صينية – إماراتية – تركية – إيطالية – يابانية (أغلبها في جيبوتي).
  3. علاقات توترية وتحالفات متغيرة باستمرار بين دول المنطقة.

خامسًا: سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر

بعد استقلال إريتريا 1993 أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة، وتمر 95 % من تجارتها عبر جيبوتي. تسعى أديس أبابا لمنفذ بحري عبر مسارين: أ. المسار الدبلوماسي (الأرجح):

  • اتفاق 2024 مع إقليم أرض الصومال (استئجار ميناء بربرة مقابل الاعتراف بالاستقلال) – رفضته الصومال وعدّته “إعلان حرب”.
  • مفاوضات محتملة مع إريتريا أو جيبوتي. ب. المسار العسكري (غير مرجح): مكلف للغاية وسيواجه مقاومة دولية وإقليمية شديدة.

أي منفذ بحري إثيوبي دائم على البحر الأحمر يُشكل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لمصر والسودان.

سادسًا: ديناميكيات الصراع في القرن الأفريقي (ورقة د. أحمد عسكر)

العلاقات في المنطقة “متأرجحة” بين التعاون والتوتر.

محفزات الصراع:

  • طموح إثيوبيا في منفذ بحري.
  • الخلافات التاريخية (إريتريا – الصومال).
  • الهشاشة الداخلية في الصومال.

معوقات الصراع:

  • الوجود العسكري الأجنبي المكثف (قوة ردع).
  • الاستثمارات الضخمة (صينية – خليجية) التي تجعل الصراع مكلفًا.

سد النهضة: مشروع سياسي بامتياز يهدف لتعزيز النفوذ الإثيوبي. المطلب المصري الأساسي: اتفاق ملزم للملء والتشغيل خصوصًا في سنوات الجفاف.

السودان: متأثر مباشرة كدولة مصب ودولة جوار، وصراعه الداخلي يزيد من هشاشته.

سابعًا: مسارات التحرك المصري في القرن الأفريقي

التهديدات الراهنة:

  • تداعيات حرب غزة وتهديدات الحوثيين (تحويل 70 % من السفن إلى رأس الرجاء الصالح).
  • القرصنة البحرية.
  • طموحات إثيوبيا البحرية.
  • عدم الاستقرار في السودان وتدفق اللاجئين.

الاستجابة المصرية: أ. عسكريًا: إنشاء الأسطول الجنوبي وقاعدة برنيس. ب. سياسيًا ودبلوماسيًا:

  • متعدد الأطراف: المشاركة في مجلس دول البحر الأحمر وخليج عدن.
  • ثنائي: تعاون استراتيجي مع الصومال (تدريب الجيش) – إريتريا – جيبوتي.

التوصيات:

  • استمرار الدبلوماسية النشطة.
  • تعزيز القوة الناعمة (تعليم – إعلام – ثقافة).
  • التركيز على الشراكات الثنائية القوية.

الخلاصة

تشهد منطقة القرن الأفريقي “هندسة جديدة لتوازنات القوة” تعتمد على الردع المتبادل والمصالح المتشابكة. استعادت مصر جزءًا كبيرًا من نفوذها الأفريقي منذ 2014، ومستقبل الأمن القومي المصري (مائيًا وبحريًا) مرتبط باستمرار هذا الزخم الدبلوماسي والتنموي والعسكري مع دول القارة، خصوصًا دول حوض النيل والقرن الأفريقي.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى