رأي

 د. عبدالرحمان الأشعاري يكتب.. اللغة العربية في يومها العالمي

 

تعدّ جائزة نوبل للآداب التي فاز بها الأديب والروائي المصري نجيب محفوظ خلال عام 1988، تقديرًا لأعماله الأدبية الغنية بالتفاصيل الدقيقة التي شكلت فنًا سرديًا عربيًا عالميًا، وفقًا لبيان الأكاديمية السويدية الصادر حينها، نقطة فاصلة وتحول كبير على مستوى قيمة ومكانة اللغة العربية بين باقي لغات العالم.

فلأول مرة في التاريخ الحديث ومنذ عصر النهضة الأوروبية يتصالح العالم مع اللغة العربية، والإشارة هنا إلى هيئة الأمم المتحدة وكل المنظمات التي تدور في فلكها، التي خصصت يومًا خاصًا للاحتفال باللغة العربية وآدابها، أدى إلى المساهمة في تعزيز مكانة الأدب العربي عالميًا، وفتح باب الترجمة أمام كل الإصدارات العربية بشكل كبير، خصوصًا منها القصص والروايات العربية.

جاء ذلك بعد أن تقدمت كل من المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية خلال عام 2012، بمقترح مشترك للمجلس التنفيذي لـ”اليونسكو” لتخصيص يوم عالمي للغة العربية، وقد وافقت منظمة “اليونسكو”، التي تتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقرًا لها، بقرار تاريخي على هذا المقترح، وتم اختيار يوم 18 ديسمبر من كل عام يومًا عالميًا للاحتفال باللغة العربية وآدابها، وهو اليوم نفسه لكن خلال عام 1973، الذي اعتمدت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة اللغة العربية كلغة رسمية سادسة.

ومما جاء في هذا القرار أن المجلس التنفيذي “يدرك ما للغة العربية من دور وإسهام في حفظ ونشر حضارة الإنسان وثقافته”، وأن هذه اللغة “هي لغة اثنين وعشرين عضوًا من الدول الأعضاء في اليونسكو، وهى لغة رسمية في المنظمة، ويتحدث بها ما يزيد على 422 مليون عربي، ويحتاج إلى استعمالها أكثر من مليار ونصف مليار من المسلمين”.

ومما يثير الانتباه في هذا القرار الأممي، أنه لا يخصص فقط يومًا عالميًا للغة العربية، ولكن يربط بين العربية كلغة وبين دورها وإسهامها في حفظ ونشر حضارة الإنسان وثقافته، وهو ربط يحمل أكثر من معنى، ويطلق العديد من الإشارات الدالة والمعبرة.

ومنذ ذلك، أعيد الاعتبار لهذه اللغة التي استطاعت في فترة انطلاقها وتوهجها على مدى أربعة عشر قرنًا، أن تمثل نموذج اللغة التي يحرِص الأدباء والعلماء، على أن يتحلوا بمعرفتها، بل استعار حروفها كثير من اللغات الأخرى لكي تكتب بها كلماتها، ومن بينها اللغة الفارسية، واللغة الأردية، ثم اللغة التركية قبل أن تتحول بعد سقوط الخلافة العثمانية ولأسباب استعمارية، إلى اعتماد الحروف اللاتينية، وتبعتها في ذلك اللغات المنتشرة في سهول آسيا في منطقة تركستان، كما حدث الشيء نفسه في اللغات الأفريقية التي كانت تكتب بالحروف العربية، وعلى رأسها اللغة السواحلية في شرق أفريقيا، والتي ظلت تكتب بحروف عربية حتى سنة 1964، حينما صدر قرار بإزالة الحروف العربية ووضع اللاتينية مكانها، وتكرر الأمر نفسه في اللغات التي كانت منتشرة في غرب القارة الأفريقية.

ومن الإشارات كذلك، أن هذه اللغة لغة حية ومتجددة وتمتلك كل مقومات الجمال والقابلية لاستيعاب كل المعارف والعلوم الإنسانية، والدليل على ذلك أنها تعرضت لشتى أنواع وأشكال الحروب، لكنها رغم ذلك قاومت وصمدت أمام القوى الاستعمارية التي اجتاحت النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، وعملت على إسقاط كثير من اللغات، قدرتها منظمة “اليونسكو” بأكثر من ثلاثمائة لغة، وقد كانت العربية من أكثر اللغات استهدافًا، لكنها لم تستطع النيل منها.

ومن الإشارات الدالة أيضًا، أن اللغة العربية تمتاز بوفرة مفرداتها، وكثرة ألفاظها ويؤكد ذلك المستشرق الألماني الشهير بروكلمان، حيث يقول: “ومعجم العربية اللغوي لا يجاريه معجم في ثرائه، إنه نهر تقوم على إرفاده منابع اللهجات الخاصة، التي تنطق بها القبائل العربية (فقه اللغة السامية: 31)، وقد لاحظ علماء اللغة منذ القدم، أن من أبرز ميزات اللغة العربية مناسبة ألفاظها لمعانيها، فكل لفظ فيها قد تم وضعه بإزاء المعنى المنوط بالدلالة عليه في دقة تامة، وعناية فائقة، فهذا جلال الدين السيوطي يقول: “وأما أهل اللغة العربية، فقد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ ومعانيها”، المزهر 1/47.

لقد فاق سحر العربية وعلى مر التاريخ كل الآفاق، واستطاع هذا السحر أن يدفع ليس فقط أبناءها أو منظمة “اليونسكو” إلى الانبهار والاهتمام بها، ولكن أن يدفع حتى أبناء الحضارات الأخرى إلى إجادتها والإبداع والابتكار فيها، ووضع المؤلفات بها، وأصبحت أسماؤهم رموزًا بارِزة في بعض فروع المعرفة؛ مثل اسم سيبويه الذي برز في النحو، والجرجاني في البلاغة، والإمام البخاري في الحديث، والزمخشري في التفسير، وهكذا امتدت آفاق اللغة العربية وثقافتها واتسعت لتتجاوز الجنس العربي إلى ثقافة أجناس حضارات أخرى.

من جهة أخرى، نجد أن للغة العربية صلة عميقة بالدين الإسلامي؛ فهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم وكتبت بها السنة النبوية الشريفة، ويشرح العديد من العلماء هذه العلاقة، ومنهم العلامة ابن تيمية حين قال “معلوم أن تعلم العربية وتعليم العربية فرضٌ على الكفاية”. وأضاف: “إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرضٌ، ولا يفهم إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب”، ويقول الإمام الشافعي في معرض حديثه عن الابتداع في الدين: “ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب”، وقال الحسن البصري – رحمه الله – في المبتدعة: “أهلكتهم العجمة”.

كما تظهر أهمية اللغة العربية في أنها المفتاح إلى معرفة وإدراك الثقافة والفكر الإسلامي والعربي، بحيث تتيح للمتمكن منها، الاطلاع على كم حضاري وفكري هائل لأمة ظلت لعدة قرون منارة للبحث والابتكار العلمي، وخلفت إرثًا حضاريًا وفكريًا في شتى المجالات يعد الأضخم على مستوى العالم.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى