رأي

د. راندة فخر الدين تكتب.. مصر اسم ينبض في القلب قبل أن يُنطقه اللسان

هناك أوطان تختبر شعوبها، وهناك أوطان تختبر العالم. ومصر من النوع الثاني، فهي ليست مجرد مساحة جغرافية تتبدل عليها الفصول، بل روح هائلة تمد المنطقة كلها بنبض من اتزان ودفء، كأنها القلب الذي لا يمل من ضخ الحياة مهما تكاثرت عليه الأعباء. اسمها حين يُذكر، يتحرك شيء داخلي يشبه الضوء، لكنه ليس ضوءاً؛ حالة من الفخر الهادئ توحي بأن الانتماء إليها امتداد لشيء أقدم من العمر نفسه.

أحب مصر التي أعشق ترابها، ذلك التراب الذي عبرت فوقه أقدام الفراعنة والأنبياء والجنود والفلاحين والعلماء، تراب يعرف ألف لغة من أثر الخطوات. هو ليس أرضاً فحسب، بل طبقات من المعنى، كأن الزمن نفسه اختار أن يخزن ذاكرته هنا.

وأحب تاريخها الذي يظهر كأرشيف منير، كل صفحة فيه تحتفظ بملامح عصر، وكل تمثال قائم يروي درساً لا تزال البشرية تحتاج إليه. تاريخها ليس في المتاحف وحدها، بل في طريقة سير الناس في الشوارع القديمة، وفي أسماء الأزقة، وفي الحكايات التي يتبادلها الجيران عند الغروب. مصر تعرف كيف تُحوّل الماضي إلى جزء حي من يومها، وكيف تبقي القديم شاباً عبر الأجيال.

أعشق عظمتها التي لا تحتاج إلى رفع الصوت، عظمتها تشبه اتساع النيل في موسم الفيضان؛ حضور هادئ لكنه لا يُقاوم. وأعشق قوتها وصبرها؛ فمصر تمتلك قدرة فريدة على احتمال ما لا يُحتمل، وعلى تحويل الشدة إلى طاقة تدفعها إلى الأمام. حين تضيق بها اللحظات، لا تهرب ولا تستسلم، بل تتريث كما لو أنها تعرف أن العاصفة ستتعب قبلها.

شعبها الجميل قصة أخرى. شعب يمزج بين الذكاء الفطري وروح الدعابة، ويملك موهبة لافتة في امتصاص كل دخيل، وتحويل القادم الجديد إلى جزء من نسيجه، بعد أن ينزع عنه ما لا يناسب الهوية المصرية ويعيد تشكيله بأسلوب يجعل كل شيء مصرياً بطريقة أو بأخرى. هذا الشعب هو مصنع هوية مستمر، يلتقط التفاصيل الدقيقة ويعيد صياغتها بما ينسجم مع وجدانه الجمعي.

أما جيشها العظيم، فهو السور الذي لا يكل، القوة التي خرجت من قلب الشعب فعرفت ما الذي يمنح الإنسان شجاعة البقاء. هو جيش يحمل طباع الفلاح والصانع والطالب والطبيب، جيش تشكّل عبر الزمن ككتلة من الإرادة الوطنية، قادراً على مواجهة الحروب في كل أجيالها؛ من الأولى حتى الخامسة. يعرف أن بعض المعارك تُخاض بالسلاح، وبعضها تُخاض بالعقل، وبعضها تُحسم بالثبات وحده.

وقفت مصر أمام الاحتلال كما تقف الشجرة العتيقة أمام الفأس؛ تسقط أغصان، لكن الجذع يبقى راسخاً. وساندت كل دولة رفعت راية الحرية، لأن جوهرها يرفض الظلم بطبيعته. واجهت محاولات التقسيم ونشر الفتن كما يواجه الجسد السموم، تضعف قليلاً، ثم تشتعل فيها مناعة التاريخ فتستعيد عافيتها.

وكلما تراكم الغبار على كتفيها، قامت من جديد. تنفض الأتربة كما تنفض الطيور الماء عن ريشها، وتدفن أحزانها حتى لا تورثها لأبنائها، ثم تنهض قوية متطورة، شابة رغم أنف السنوات. مصر تتقن فن البدء من جديد، كأن في روحها خيطاً من الطفولة لا ينقطع.

هذه مصر التي نحبها، مصر التي لا تكتفي بأن تكون دولة، بل تجربة إنسانية ممتدة. مصر التي إن خبت فيها لحظة، توقد على الفور شرارة جديدة. مصر التي تتغير وتتجدد، لكن جوهرها يظل ثابتاً: العظمة الهادئة، والروح المضيئة، والقدرة على العبور مهما بدا الطريق وعراً.
مصر… وطن يكتب تاريخه بالحجر ويجدد شبابه بالحب.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى