د راندة فخر الدين تكتب.. الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة: تحليل سياسي واقتصادي للإغلاق الفيدرالي في أكتوبر 2025

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 1 أكتوبر 2025 دخولها في حالة إغلاق حكومي (Government Shutdown)، وهو ليس الأول من نوعه في التاريخ الأمريكي، بل يمثل استمرارًا لسلسلة من الأزمات المؤسسية المتكررة التي تعكس هشاشة التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
هذه الأزمة ترتبط جوهريًا بطبيعة النظام السياسي الأمريكي القائم على الفصل بين السلطات، وبخاصة سلطة الاعتمادات المالية التي يحتكرها الكونغرس.
اقرأ أيضا: د. راندة فخر الدين تكتب.. ثوابت الدين والمجتمع في مواجهة محاولات فرض المثلية
ما هو الإغلاق الحكومي؟
يُعرّف الإغلاق الحكومي بأنه توقف جزئي أو كلي لأنشطة الحكومة الفيدرالية نتيجة عدم إقرار الكونغرس لقانون الموازنة أو لقانون تمويل مؤقت (Continuing Resolution).
• تاريخيًا، حدث أول إغلاق حكومي في الولايات المتحدة عام 1976.
• أطول إغلاق كان بين ديسمبر 2018 ويناير 2019 واستمر 35 يومًا بسبب خلاف حول تمويل الجدار الحدودي مع المكسيك.
• الإغلاق يُعد أداة سياسية بقدر ما هو نتيجة لشلل تشريعي، إذ يستعمله كل حزب للضغط على الآخر في ملفات داخلية وخارجية.
أسباب الإغلاق الحالي (2025)
1. الإنفاق الفيدرالي:
الجمهوريون يسعون لتقليص الإنفاق الحكومي خاصة في مجالات الصحة والتعليم، بينما الديمقراطيون يطالبون بزيادات معتبرة.
2. مشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة:
تمثل نقطة خلاف رئيسية، إذ ترى الولايات ذات الأغلبية الجمهورية أن هذه البرامج تُحمِّل الاقتصاد تكاليف باهظة دون جدوى مباشرة، بينما تراها الإدارة الديمقراطية استثمارًا استراتيجيًا لمستقبل البلاد.
3. الاستقطاب الحزبي:
الاستقطاب بين الحزبين بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث أصبح الإغلاق وسيلة تفاوضية معتادة بدلًا من كونه استثناءً نادرًا.
التأثيرات المباشرة
1. على الموظفين الفيدراليين
• أكثر من 800 ألف موظف فُرضت عليهم إجازة غير مدفوعة أو يعملون دون أجر حتى إشعار آخر.
• التأثير النفسي والاجتماعي يتمثل في تزايد القلق المالي وانعدام الاستقرار الوظيفي.
2. على الخدمات العامة
• توقف إصدار جوازات السفر والتأشيرات الجديدة.
• إغلاق المتاحف الوطنية والمتنزهات العامة.
• تباطؤ برامج المساعدات الفيدرالية مثل الإسكان ودعم الغذاء.
3. على الاقتصاد الكلي
• تقديرات أولية تشير إلى خسائر بمليارات الدولارات يوميًا نتيجة تعطّل الإنتاجية والخدمات.
• تراجع ثقة المستثمرين في استقرار النظام السياسي، ما قد ينعكس على مؤشرات البورصة وأسواق السندات.
• احتمالية تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة إذا استمر الإغلاق لفترة طويلة.
التأثيرات غير المباشرة
• على السياسة الداخلية: استمرار فقدان الثقة الشعبية في قدرة النظام السياسي على إدارة الخلافات.
• على السياسة الخارجية: الإغلاق يضعف صورة الولايات المتحدة أمام حلفائها وخصومها، ويعطي انطباعًا بعدم استقرار مؤسساتها.
• على المدى الطويل: الإغلاقات المتكررة تُعمّق الانقسام السياسي وتضعف قدرة الدولة على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
الإغلاقات السابقة:
• إغلاق 1995-1996: استمر 21 يومًا بسبب خلاف بين الرئيس بيل كلينتون والكونغرس الجمهوري حول الموازنة.
• إغلاق 2013: استمر 16 يومًا نتيجة خلاف حول تمويل قانون “أوباماكير”.
• إغلاق 2018-2019: الأطول في التاريخ الأمريكي (35 يومًا) بسبب تمويل الجدار الحدودي.
إغلاق 2025 يشبه هذه الحالات لكنه يتميز بكونه مرتبطًا بملف التحول الطاقوي والإنفاق الاجتماعي، ما يجعله أكثر ارتباطًا بالقضايا الاستراتيجية المستقبلية.
يمثل الإغلاق الحكومي في أكتوبر 2025 أكثر من مجرد خلاف مالي بين الحزبين؛ إنه انعكاس لخلل بنيوي في العملية التشريعية الأمريكية وتزايد الاستقطاب السياسي. وبينما يتضرر الاقتصاد والمواطن العادي بشكل مباشر، تستمر النخبة السياسية في واشنطن في توظيف هذه الأزمة كأداة تفاوضية.
يبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة الاستمرار في هذه الدوامة دون أن تفقد ثقة مواطنيها وحلفائها في استقرار نظامها الديمقراطي؟


