تقدير موقف

خناق بخناق: هرمز في مواجهة العقوبات.. معركة الإرادات بين أمريكا وإيران

رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية

منذ قرابة ستة أشهر، لم تنطفئ جذوة الحرب بين واشنطن وطهران، بل تبدّلت أدواتها فحسب. فبعدما توقفت النيران المباشرة عقب هدنتين متعاقبتين انهارتا سريعًا في أبريل ويونيو، انتقلت المواجهة إلى ميدان أكثر تعقيدًا: ميدان الملاحة البحرية والنفط والعملة، حيث تحل لغة الأرقام والعقوبات محل لغة الصواريخ، من دون أن تقل عنها قسوة أو خطورة. واليوم، تقف الأزمة على مفترق حاسم، مع استعداد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت للإعلان عن حزمة عقوبات وصفها بأنها الأقسى في تاريخ العلاقة بين البلدين. غير أن ما يجعل هذه اللحظة استثنائية ليس فقط حجم الضغط الأمريكي المرتقب، بل أيضًا الطريقة التي تُدير بها طهران أزمتها: فبدل أن تبحث عن مخرج تفاوضي يخفف كلفة العزلة المتصاعدة، اختارت توسيع جبهة الخصوم لتشمل جيرانها في الخليج، بمزيد من التهديدات لصادرات نفطهم وخطوط نقله البديلة، في وقت تُبقي فيه قبضتها مطبقة على أهم ممر نفطي في العالم. وهكذا تتقاطع في هذا المشهد ثلاثة خطوط متوازية: عقوبات أمريكية غير مسبوقة، وقبضة إيرانية على مضيق هرمز تستخدمها طهران ورقة ضغط ضد أمريكا ودول الخليج والعالم، وتهديدات إقليمية متصاعدة تكشف عن نظام يزداد عزلة كلما ازداد تشددًا. والمفارقة أن هذه الخطوط الثلاثة، بدل أن تتقاطع لصالح طهران، تتحول شيئًا فشيئًا إلى فخ تنصبه لنفسها بيدها: فكل تهديد جديد لدولة خليجية يقلّص من فرصتها في كسب حليف إقليمي يوازن الضغط الأمريكي، وكل مبالغة في كسب العداوات تُسرع بوقوعها في فخ العزلة الكاملة، وهي النتيجة ذاتها التي تسعى العقوبات الأمريكية لفرضها عليها.

عقوبات “الأقسى في التاريخ”.. والصين في عين المعادلة
تأتي الحزمة الجديدة استكمالًا لاستراتيجية “الضغط الأقصى” التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب، لكنها تتجاوز إيران لتطال كل من يواصل التعامل الاقتصادي معها، وفي مقدمتهم الصين التي استوعبت أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية البحرية خلال العام الماضي، وفق بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع الشحن. وهذا التوسع في نطاق العقوبات يضع الدول والكيانات الاقتصادية أمام معادلة صعبة: إما مواصلة التعامل مع طهران وتحمل تبعات ذلك أمام النظام المالي الأمريكي، أو وقف هذا التعامل تمامًا. وبالنظر إلى الثقل الهائل للاقتصاد الأمريكي وسيطرته على القنوات المصرفية الدولية، فإن الخيار الثاني هو ما ستنتهي إليه غالبية الدول، لا اقتناعًا بالموقف الأمريكي بالضرورة، بل اضطرارًا أمام ميزان قوى لا تحتمل مخالفته.
وتنعكس هذه الضغوط بوضوح على الاقتصاد الإيراني الداخلي، وبعيدًا عن الأرقام السياسية التي يسوقها الخصوم. فبحسب بيانات المركز الإحصائي الإيراني والبنك المركزي، وهما الجهتان الرسميتان المعنيتان بقياس الأسعار داخل البلاد، تجاوز معدل التضخم السنوي حاجز الـ 60% خلال الأشهر الأخيرة، فيما أنفقت الأسر الإيرانية أكثر بنسبة قاربت 90% على السلة الغذائية ذاتها مقارنة بالعام الماضي، مع قفزات وصلت في بعض بنودها، كزيت الطهي، إلى ما يزيد على 200%. وقد اعترف الرئيس مسعود بزشكيان بأن الحكومة تشتري الوقود بكلفة تفوق كثيرًا السعر المدعوم الذي تبيعه للمواطنين -نحو 1500 تومان للتر- وهو استنزاف يهدد قدرة الدولة على تمويل التزاماتها الاجتماعية والمالية. كما تراجعت مخزونات النفط الإيراني العائمة خارج نطاق الحصار الأمريكي من نحو 105 ملايين برميل إلى 80 مليونًا فقط، ولم يتبق في المياه الآسيوية سوى 30 مليون برميل، أي نصف المعتاد، ما دفع بعض المصافي الصينية المستقلة إلى البحث عن مصادر بديلة. ويترافق هذا التراجع في عائدات النفط مع انهيار متواصل في قيمة الريال أمام الدولار في السوق الموازية، وهو ما يغذي حلقة مفرغة من التضخم، إذ ترتفع أسعار السلع المستوردة كلما تراجعت العملة المحلية، بينما تظل الأجور شبه ثابتة، فتتسع الفجوة بين تكلفة المعيشة والدخل الحقيقي للأسرة الإيرانية شهرًا بعد آخر.

هرمز.. قبضة إيران على العالم
في مقابل هذا الاستنزاف المالي، تحتفظ طهران بورقة ضغط لا تقل خطورة: مضيق هرمز نفسه. فتراجع حركة الملاحة عبره إلى مستويات متدنية للغاية -8 سفن تجارية يوميًا، وهبوط متوسط تدفق النفط من أكثر من 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى نحو 8 ملايين فقط بحسب وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت- دليل على أن إيران لا تزال تمسك بمفتاح أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وتستخدمه أداة ابتزاز جماعي تطال معها اقتصادات آسيا وأوروبا في المقام الأول. أما الولايات المتحدة، فتتأثر بدورها بصورة غير مباشرة أكثر منها مباشرة، إذ لا تعتمد على شحنات هرمز في تزويد سوقها الداخلي، لكن اضطراب الملاحة ينعكس على أسعار النفط العالمية، ومن ثم على أسعار البنزين داخل السوق الأمريكية نفسها، فضلًا عن الأعباء العسكرية واللوجستية التي تتحملها واشنطن لتأمين الممر، الذي كان مفتوحًا قبل حربها مع إيران؛ ما يُحملها التزاما بإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها. لذا، حين يعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي أن حركة الملاحة “لا تزال مغلقة خلافًا للرواية الأمريكية”، وأنها لن تُفتح إلا إذا عدّلت واشنطن نهجها بالكامل، فهو يمارس بذلك نفوذًا يعتبره ورقة تفاوض وحيدة بيد طهران، في ظل تراجع أوراقها الأخرى.

تصعيد إيراني يفتقد المنطق: إغلاق الممر وتحريم البديل
في مواجهة الضغوط غير المسبوقة، لم تختر القيادة الإيرانية مسار التهدئة، بل ذهبت في اتجاه أكثر عدائية. فقد اعتبر محسن رضائي أن أي دولة تشارك في فرض قيود اقتصادية على إيران ستُصنَّف “عدوًا”، داعيًا كل دول الجوار وكل دول العالم إلى الامتناع عن الانضمام إلى ما سماه “الحرب الاقتصادية الأمريكية”، وهدد بمنع خروج أي شحنة نفط من مياه الخليج أو عبر مضيق هرمز، وباستهداف كل المسارات والخطوط البديلة التي قد تُستخدم لتصدير الخام، في حال أقدمت دول المنطقة على التعاون مع واشنطن.
وهنا يبلغ التناقض الإيراني ذروته: فطهران التي تُبقي المضيق شبه مغلق أمام الملاحة الدولية، وتتوعد بردود “قوية وعقابية ومدمرة” على أي تحرك أمريكي، هي نفسها التي تحرّم على جيرانها البحث عن بديل عن هذا الممر المغلق. فقد صرّح حاجي بابايي، نائب رئيس البرلمان الإيراني، بأن إنشاء دول الخليج خطوط أنابيب بديلة يُعد بمثابة “إطلاق صواريخ” على إيران، وأن أي مساعدة أمريكية أو أوروبية لهذه الدول، سواء بالنفط أو بالمعلومات، تحمل الدلالة العدائية ذاتها. بعبارة أخرى: تُغلق طهران الباب الرئيسي بيدها، ثم تقف على الباب الخلفي لتمنع أي محاولة للخروج منه، في منطق يضع دول الخليج بين مطرقة إغلاق هرمز وسندان التهديد بضرب أي بديل عنه، من دون أن يقدّم هذا الخطاب أي أفق واقعي لإدارة الأزمة أو تخفيف كلفتها الإقليمية.
هذا التصعيد يتزامن مع خطاب عسكري متشدد من رئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي عبد اللهي، الذي هدد بردود “قوية وعقابية ومدمرة”، في مقابل نبرة أكثر واقعية من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي حذر من أن القوة العسكرية وحدها لا تضمن استمرار الدولة، مؤكدًا أهمية الإنتاج الوطني والنمو الاقتصادي. هذا التباين بين خطاب عسكري متشدد وخطاب سياسي أكثر حذرًا يكشف انقسامًا داخل مؤسسات صنع القرار الإيراني، في وقت لا تزال فيه مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو الماضي، بوساطة باكستانية وقطرية، مجمدة بفعل الخلاف حول ترتيبات الملاحة في هرمز.
وإذا كان منطق الردع يقتضي عادة أن يوازن أي طرف بين حجم التهديد وقدرته الفعلية على تحمل تبعاته، فإن الخطاب الإيراني الراهن يبدو أقرب إلى مقامرة محسوبة الخسارة سلفًا: فتهديد دول قادرة على تنويع شركائها الاقتصاديين والعسكريين، في لحظة تعاني فيها طهران أصلًا من شح الموارد وتراجع الحلفاء، لا يمنحها نفوذًا إضافيًا بقدر ما يعجّل بتوحيد الموقف الإقليمي والدولي ضدها، ويحوّل ورقة هرمز التي تراهن عليها القيادة الإيرانية من أداة ضغط إلى عبء يزيد من عزلتها.

سيناريوهات مقبلة: هوة واسعة وعزلة إقليمية متزايدة
كل المؤشرات الراهنة ترجّح أن الفجوة بين مطالب واشنطن وسقف التنازلات الذي تقبله طهران لا تزال واسعة إلى حد يصعب معه توقع اختراق دبلوماسي قريب. فترامب نفسه أكد أنه لا يعرف إن كانت بلاده تريد التوصل إلى اتفاق مع إيران أصلًا، فيما يصر بزشكيان على أن بلاده تفاوض “من موقع قوة”، في تباين يوحي بأن كل طرف لا يزال يراهن على استنزاف الآخر بدل التفاهم معه.
لكن الأخطر من مسار المفاوضات المتعثر هو الكلفة السياسية التي بدأت إيران تدفعها إقليميًا. فسلوكها العدائي لم يعد موجهًا فقط ضد خصومها التقليديين، بل امتد ليطال دول الجوار والوسطاء أنفسهم، من سلطنة عمان وقطر اللتين قادتا جهود التهدئة، إلى البحرين والكويت والسعودية والأردن، وصولًا إلى الإمارات التي كانت من أكبر الشركاء الاقتصاديين لطهران ووفرت لها لسنوات ملاذًا للتجارة والتحويلات المالية، قبل أن تضطر إلى تقليص هذا التعامل مؤخرًا بفعل استمرار السلوك العدائي الإيراني تجاهها. هذا التوسع في دائرة الاستهداف، ليطال حتى من قدّم لطهران غطاءً اقتصاديًا أو دبلوماسيًا، يفسر التراجع الملحوظ في التعاطف الإقليمي والدولي مع النظام الإيراني.
والآن، بعد حرب لم تُحسم عسكريًا لكنها استنزفت الاقتصاد والقدرات البحرية والجوية الإيرانية، يبدو أن طهران تخوض معركتها الأخيرة بمنطق “عليّ وعلى أعدائي”، أقرب إلى من يفضّل هدم المعبد على رأس الجميع على أن يخرج من المعركة صفر اليدين. ومع تحول الحلفاء والوسطاء تدريجيًا إلى خصوم بفعل هذا العدوان المتمادي والتهديدات المتكررة، لم تعد إيران تخسر معركة النفط والعقوبات فحسب، بل تخسر أيضًا آخر ما تبقى لها من رصيد التعاطف. وهكذا تتجه الأنظار أكثر فأكثر نحو سيناريو لم يعد بعيد التداول: نظام يضيق العالم من حوله شيئًا فشيئًا بفعل خياراته هو قبل أن تُفرض عليه، بينما يترقب كثيرون، داخل إيران وخارجها، لحظة سقوطه أكثر مما ينتظرون تسوية معه.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى