تقدير موقف

تحسّن سعر الصرف دون أثر سعري : أين تختفي المكاسب؟

إعداد – مصطفى محمد علي

أثار التحسّن النسبي في قيمة الجنيه أمام الدولار خلال الفترة الأخيرة تساؤلات واسعة حول انعكاس هذا التحسّن على مستويات الأسعار في السوق المحلي، خاصة بعد موجات متتالية من الغلاء أثقلت كاهل المستهلكين. فوفق المنطق الاقتصادي البسيط، يُفترض أن يؤدي تراجع سعر العملة الأجنبية إلى انخفاض تكلفة الاستيراد ومن ثم تراجع الأسعار، غير أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين تحركات سعر الصرف وسلوك الأسعار النهائية .

هذه الفجوة تطرح إشكالية أعمق تتجاوز سعر الدولار ذاته، وتمتد إلى طبيعة هيكل التكاليف، وسلوك الفاعلين في السوق، ودرجة مرونة السلع، فضلًا عن مصادر تحسّن العملة ومدى استدامتها. ومن هنا، يسعى هذا التحليل إلى تفكيك أسباب استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة رغم تحسّن الجنيه، من خلال قراءة متعددة المحاور تربط بين العوامل الهيكلية والمالية والسلوكية المؤثرة في التسعير .

لماذا لا تنخفض الأسعار رغم تحسّن الجنيه؟

يُعد تفسير استمرار ارتفاع الأسعار رغم التحسّن النسبي في سعر الجنيه خطوة أساسية لفهم سلوك السوق المحلي، إذ لا يرتبط التسعير بعامل واحد بقدر ما تحكمه مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والسلوكية والهيكلية. ويمكن تلخيص أبرز هذه الأسباب في خمسة عوامل رئيسية تتفاعل فيما بينها وتحدّ من انتقال أثر تحسّن سعر الصرف إلى المستهلك النهائي :

1- رغبة التجار في الحفاظ على هوامش أرباحهم

شهدت فترات ارتفاع الدولار ضغوطًا كبيرة على التجار والمنتجين، سواء من حيث ارتفاع التكاليف أو تراجع القدرة الشرائية. ومع تحسّن الجنيه، يميل كثير من الفاعلين في السوق إلى تثبيت الأسعار بهدف تعويض خسائر سابقة أو حماية هوامش أرباحهم، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن المسار الاقتصادي .

2- شراء المواد الخام بأسعار مرتفعة في فترات سابقة

لا تزال نسبة معتبرة من السلع المتداولة في السوق ناتجة عن مدخلات إنتاج جرى شراؤها عندما كان الدولار عند مستويات مرتفعة. وفي هذه الحالة، يصبح خفض الأسعار غير متسق مع التكلفة الفعلية التي تحمّلها المنتج أو المستورد، ما يدفع إلى الإبقاء على الأسعار الحالية حتى يتم استهلاك المخزون القديم .

3- عدم ثقة المنتجين في استقرار سعر الصرف

يتعامل المنتجون والتجار مع تحسّن الجنيه بحذر، مستندين إلى تجارب سابقة شهدت تحسّنات مؤقتة أعقبتها موجات جديدة من ارتفاع الدولار. هذا الافتقار للثقة في استدامة تحسّن سعر الصرف يدفع الأسواق إلى تسعير السلع على أساس سيناريوهات أكثر تحفظًا، بدلًا من الاستجابة للواقع الحالي .

4- ضعف المنافسة في بعض الأسواق

تعاني قطاعات عديدة من مستويات منخفضة من المنافسة، سواء بسبب تركّز السوق أو محدودية عدد الموردين، وهو ما يقلّل من الضغوط التي تدفع التجار إلى خفض الأسعار. وفي غياب المنافسة الفعّالة، يصبح تثبيت الأسعار خيارًا مريحًا بدلًا من تمرير أي انخفاض في التكلفة .

5- عناصر تكلفة ترتفع ولا تنخفض مجددًا

تعتمد كثير من المنتجات، خاصة المحلية، على عناصر تكلفة محلية ذات اتجاه واحد، مثل الأجور، والكهرباء، والمياه، والطاقة. فالشركات التي اضطرت إلى رفع أجور العاملين لمواجهة التضخم لا تستطيع خفضها لاحقًا مع تحسّن سعر الصرف، ما يُبقي هيكل التكلفة عند مستويات مرتفعة ويحدّ من فرص خفض الأسعار .

انخفاض الدولار أمام الجنيه: مكاسب اقتصادية ومخاطر كامنة .

لا ينعكس انخفاض الدولار أمام الجنيه على القطاع التصديري بصورة واحدة، إذ تختلف درجة الاستفادة أو الضرر باختلاف هيكل الإنتاج ونسبة الاعتماد على المدخلات المستوردة مقابل المحلية. ومن ثم، يمكن التمييز بين آثار إيجابية تطال بعض الصناعات، وأخرى سلبية تؤثر على صناعات مختلفة .

تحسّن تنافسية الصناعات كثيفة المدخلات المستوردة

تستفيد بعض الصناعات التصديرية من انخفاض الدولار أمام الجنيه، خاصة تلك التي تعتمد على استيراد مستلزمات الإنتاج بنسبة مرتفعة. ففي هذه الحالة، يؤدي تراجع تكلفة المدخلات المستوردة إلى خفض التكلفة الإجمالية للإنتاج، ما يمنح المنتجين مساحة أكبر لتحسين هوامش الربح أو خفض الأسعار التصديرية، وهو ما يعزّز قدرتهم التنافسية في الأسواق الخارجية .

ويُعد هذا الأثر إيجابيًا بشكل خاص في الصناعات التي ترتبط أسعار منتجاتها في الأسواق العالمية بمستويات شديدة التنافس، حيث يسمح انخفاض التكلفة بتحقيق مرونة أكبر في التسعير دون الإضرار بالربحية .

تراجع تنافسية الصناعات المعتمدة على الإنتاج المحلي

في المقابل، ينعكس انخفاض الدولار بصورة سلبية على بعض الصناعات التصديرية التي تعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات إنتاج محلية، سواء من حيث الأجور أو الطاقة أو الخدمات. ففي هذه الصناعات، لا يؤدي تحسّن الجنيه إلى خفض ملموس في التكلفة، بينما يتسبب في ارتفاع السعر النسبي للمنتج المصدَّر عند تسعيره بالعملات الأجنبية .

ونتيجة لذلك، قد يتعرض المصدّرون في هذه القطاعات لضغوط على هوامش الربح، أو يواجهون صعوبة في الحفاظ على حصصهم السوقية، بل وقد تتحول الأرباح إلى خسائر إذا لم يتمكنوا من تمرير هذا الأثر السعري إلى المستهلك الخارجي .

الخلاصة

يتضح مما سبق أن الانخفاض في سعر الصرف -رغم أهميته- لا يكفي بمفرده لإحداث تراجع ملموس في مستويات الأسعار، في ظل هيكل تكلفة مرتفع، وضعف الثقة في استدامة الاستقرار، وتفاوت مرونة السلع، فضلًا عن الاعتماد الجزئي على تدفقات مالية قصيرة الأجل. ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب يتمثل في احتواء موجات الغلاء ومنع زيادات جديدة، أكثر من توقع عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة .

وعلى المدى المتوسط، يظل تحوّل تحسّن الجنيه إلى مكاسب يشعر بها المستهلك مرهونًا بقدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق استقرار مستدام، وتعزيز المنافسة، وخفض تكاليف الإنتاج، بما يسمح بانتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار النهائية دون الإضرار بالقطاع الإنتاجي أو التصديري .

وبشكل عام يمكن القول أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحسّن الجنيه ذاته، بل في تحويل هذا التحسّن إلى استقرار اقتصادي مستدام يشعر به المواطن والمنتج على حد سواء .

 

 

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى