المرأة المصرية في حرب أكتوبر.. جندي مجهول وراء النصر

د راندة فخر الدين
لم يكن نصر أكتوبر 1973 مجرد ملحمة عسكرية حققها الجيش المصري الباسل، بل كان نتاج تلاحم شعب كامل وقف خلف قواته المسلحة بكل ما يملك من قوة وعزيمة. ومن أبرز صور هذا التلاحم كان الدور العظيم الذي قامت به المرأة المصرية، التي لم تكن فقط زوجة أو أمًا أو أختًا لجندي على الجبهة، بل كانت شريكًا أصيلًا في معركة التحرير
في كل ذكرى لانتصار أكتوبر المجيد، تتجه الأنظار إلى البطولات العسكرية التي حققها الجندي المصري وهو يعبر قناة السويس ويكسر أسطورة خط بارليف. لكن هناك بطولات أخرى لم تُكتب في الكتب العسكرية، بل صاغتها أيادٍ صابرة وقلوب مؤمنة خلف الجبهة. إنها بطولات المرأة المصرية، التي لم تكتفِ بمساندة الرجل، بل كانت جنديًا مجهولًا شارك في صناعة النصر بكل تفاصيله.
اقرأ أيضا: د. معتز صلاح الدين يكتب: مشاركة الأقباط في حرب أكتوبر…وحدة الدم والمصير صنعت النصر
زرع الانتماء في الأجيال
لم يكن الانتصار وليد قوة السلاح فقط، بل وليد قوة الروح والإيمان بالوطن. وهنا جاء الدور الأول للمرأة. فالأم المصرية كانت أول مدرسة للوطنية، غرست في أبنائها حب مصر، وشجعتهم على الذهاب للجبهة دون خوف، بل كانت تودع أبناءها بالزغاريد والدعاء. والمعلمة في المدرسة حولت حصصها إلى دروس في الوطنية، تحدثت عن الأرض والعرض، وعن قيمة التضحية. والإعلامية والصحفية نقلت أخبار البطولة، وبثّت روح الأمل في القلوب، لتؤكد أن النصر قادم لا محالة.
لقد صنعت المرأة بهذا الدور جبهة داخلية قوية، توازي في أهميتها الجبهة العسكرية.
التبرع بالمال والذهب.. “المعركة لا تُحسم بالكلمات فقط”
حين دخلت مصر مرحلة الاستنزاف ثم الاستعداد لحرب التحرير، كان الاقتصاد يعاني ضغوطًا هائلة. هنا تقدمت المرأة المصرية بدور بطولي لم يُجبرها عليه أحد. في القرى والنجوع، خرجت السيدات يحملن ما يملكن من حُلي وذهب، ووضعنه في صناديق التبرع لدعم الجيش. وفي المدن، لم تبخل النساء بمدخراتهن مهما كانت قليلة، إيمانًا منهن بأن “كل جنيه قد يشتري رصاصة تحمي جنديًا على الجبهة”.
خلف خطوط القتال.. ممرضة، متطوعة، أم
لم تكن المساندة بالمال فقط، بل امتدت إلى العمل الميداني. التحقت الممرضات والطبيبات بالمستشفيات العسكرية والميدانية لعلاج الجرحى.
نساء الهلال الأحمر وجمعيات التطوع عملن ليل نهار في تقديم الغذاء، وتنظيم حملات للتبرع بالدم. آلاف الأمهات تحملن غياب أزواجهن وأبنائهن، وفي الوقت نفسه كن يربين الأبناء ويديرن شؤون الحياة اليومية.
لقد لعبت المرأة هنا دور “الجندي المجهول”، الذي يحمي ظهر المقاتل ويمده بالأمان النفسي ليستمر في القتال.
أعباء اقتصاد الحرب.. “الصبر سلاح النساء”
لقد تحملت المرأة المصرية العبء الأكبر من تبعات الحرب الاقتصادية. فبينما كان الرجال على الجبهة، تحملت النساء مسؤولية الأسرة كاملة: إدارة البيت، وتربية الأبناء، والعمل في الحقول والمصانع، والتكيف مع نقص الموارد وارتفاع الأسعار.
في كل بيت، كانت هناك امرأة تتحمل فوق طاقتها، لكنها لم تنكسر، لأنها كانت تعلم أن صبرها هو الطريق إلى النصر.
تحملت بصبر وشجاعة ضغوط الحياة اليومية، مدركة أن كل جنيه أو قطعة ذهب تقدمها، وكل مشقة تتحملها، هي جزء من ثمن العزة والكرامة.
إن اقتصاد الحرب الذي صمد سنوات طويلة، ما كان ليستمر لولا هذه المرأة التي قدّمت التضحية في صمت.
صانعة النصر الحقيقي
عندما رفع الجندي المصري العلم على الضفة الشرقية للقناة يوم السادس من أكتوبر، لم يكن وحده في هذه اللحظة. كانت معه كل أم دعمت، وكل زوجة صبرت، وكل أخت تبرعت بذهبها، وكل معلمة غرست الوطنية في عقل طفل صغير.
لقد كانت المرأة المصرية “القوة الخفية” التي منحت النصر معناه الحقيقي. فالحروب لا تُكسب فقط بالمدافع والدبابات، بل تُكسب أيضًا بإرادة الشعوب، وإرادة الشعوب كانت المرأة نصفها وأحيانًا كلها.
لقد زرعت الانتماء، شاركت في المجهود الحربي، صبرت على شظف العيش، وحملت على عاتقها أعباء الحرب لسنوات. ولولاها، ما كان لمصر أن تصل إلى نصر أكتوبر المجيد.
إن الحديث عن حرب أكتوبر لا يكتمل إلا بذكر المرأة المصرية التي جسدت أسمى معاني الوطنية والتضحية. فقد زرعت الانتماء في قلوب أبنائها، ووقفت شامخة إلى جوار جيشها، وضحت بالغالي والنفيس من أجل أن يرفع الوطن رايات النصر. وهكذا يظل دورها شاهدًا خالدًا على أن النصر لم يكن هدية، بل ثمرة وحدة شعبية عظيمة كانت المرأة المصرية في قلبها.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



