اللواء معز الدين السبكي يكتب.. اتفاقية الغاز مع إسرائيل ضرورة اقتصادية

في خضم التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية، ومع ما تشهده سوق الطاقة من تقلبات حادة وارتفاعات متتالية في الأسعار، تبرز اتفاقية الغاز مع إسرائيل باعتبارها خيارًا اقتصاديًا اضطراريًا، تحكمه اعتبارات المصلحة الوطنية وحسابات الأمن الطاقوي، بعيدًا عن الشعارات والانفعالات.
لقد أصبحت الطاقة اليوم عصب التنمية ومحرك الاقتصاد، ولا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قدراتها، أن تدير ظهرها للواقع الجيوسياسي والاقتصادي المحيط بها. فمصر، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في التحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الغاز الطبيعي، وجدت نفسها أمام معادلة دقيقة: تأمين احتياجات السوق المحلية، والحفاظ على استقرار منظومة الكهرباء والصناعة، وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية العملاقة التي أُنشئت بتكلفة باهظة.
من هذا المنطلق، تأتي اتفاقية استيراد الغاز كجزء من سياسة تنويع مصادر الطاقة، وعدم الاعتماد على مصدر واحد، بما يحقق الاستدامة ويحد من المخاطر. فالتجربة الدولية أثبتت أن الدول التي لم تحسن إدارة ملف الطاقة دفعت أثمانًا اقتصادية واجتماعية باهظة، كما حدث في عدد من الدول الأوروبية عقب اضطراب إمدادات الغاز في السنوات الأخيرة.

اقتصاديًا، تتيح الاتفاقية لمصر تشغيل محطات الإسالة بكامل طاقتها، وهو ما يدر عوائد كبيرة من العملة الصعبة عبر إعادة التصدير، ويعزز مكانة الدولة كمحور إقليمي للطاقة في شرق المتوسط. كما تسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن دعم الميزان التجاري وتقليص عجز الطاقة في فترات الذروة.
أما على صعيد الأمن القومي، فإن امتلاك بدائل متعددة في ملف الطاقة لا يقل أهمية عن امتلاك السلاح؛ فالطاقة اليوم أداة ضغط سياسية واقتصادية، والدولة الذكية هي التي تُحسن توظيف الاتفاقيات الاقتصادية لحماية استقرارها الداخلي، دون التفريط في ثوابتها الوطنية أو مواقفها السياسية.
ولا يعني ذلك، بحال من الأحوال، أن الاتفاقية تمثل قبولًا سياسيًا أو تنازلًا عن الحقوق العربية، فمصر كانت وستظل ثابتة في دعم القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. غير أن إدارة الدولة تُبنى على الفصل بين المواقف السياسية الثابتة، والمصالح الاقتصادية المتغيرة، وفقًا لمعادلة دقيقة تراعي مصالح الشعب أولًا وأخيرًا.
كما أن الاتفاقية ليست قدرًا أبديًا، بل تخضع للمراجعة والتقييم المستمر وفقًا لمتغيرات السوق والاكتشافات الجديدة، وهو ما يفرض على صانع القرار المرونة والجاهزية لإعادة التفاوض متى اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.
إن الحكم على اتفاقية الغاز يجب أن يكون بمنطق الأرقام لا العواطف، وبمعيار العائد الاقتصادي لا الخطاب الانفعالي؛ فالدولة القوية هي التي تمتلك الشجاعة لاتخاذ قرارات صعبة، وتتحمل مسؤوليتها التاريخية في تأمين حاضر مواطنيها ومستقبل أجيالها.
وفي النهاية، تبقى اتفاقية الغاز مع إسرائيل ضرورة اقتصادية في مرحلة دقيقة، تُدار بعقل الدولة ومؤسساتها، وتُقاس بنتائجها على أرض الواقع، لا بالشعارات أو المزايدات؛ فالاقتصاد الوطني يحتاج إلى قرارات واقعية، توازن بين المبادئ والمصالح، وتحفظ للدولة استقرارها ودورها الإقليمي.



