العميد عماد اليماني يكتب.. مصر ركيزة السلام وصانعة الاستقرار في عالم متغير

منذ عقود طويلة، ظلت جمهورية مصر العربية حجر الزاوية في معادلة السلام الإقليمي، وصوت العقل في منطقة تموج بالصراعات والتقلبات. لم يكن السلام بالنسبة لمصر خيارًا تكتيكيًا أو ورقة دبلوماسية تُستخدم وقت الحاجة، بل هو مبدأ استراتيجي متجذر في وجدان الدولة المصرية وقيادتها، نابع من إيمان راسخ بأن التنمية لا تزدهر إلا في بيئة مستقرة، وأن الحوار هو السبيل الأوحد لحل النزاعات.
لقد رسّخت مصر هذا النهج منذ مبادرتها التاريخية في أواخر السبعينيات لتحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط، لتفتح بذلك صفحة جديدة في العلاقات الدولية، وتقدّم نموذجًا في الشجاعة السياسية والرؤية الاستراتيجية البعيدة. ومنذ ذلك الوقت، واصلت القاهرة أداء دورها المسؤول في تقريب وجهات النظر، واحتضان المفاوضات بين الأطراف المتنازعة، سواء في الملف الفلسطيني، أو في أزمات ليبيا والسودان وسوريا واليمن.
تدرك القيادة المصرية، برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن استقرار المنطقة لا يمكن فصله عن استقرار مصر، وأن الأمن القومي العربي منظومة مترابطة لا تتجزأ. لذلك جاء تحرّك الدبلوماسية المصرية على أسس ثابتة من الحياد الإيجابي، والالتزام بالقانون الدولي، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع التركيز على دعم جهود التسوية السياسية لا العسكرية.
وفي ضوء المتغيرات الجيوسياسية الراهنة، واحتدام الصراعات الإقليمية، تلعب مصر دورًا محوريًا في إعادة هندسة منظومة الأمن الإقليمي من خلال الحوار وبناء الثقة. وقد برز هذا الدور في إدارة الأزمة الفلسطينية – الإسرائيلية، إذ تقود القاهرة جهود التهدئة ووقف إطلاق النار، وتستضيف جولات الحوار الفلسطيني الداخلي، وتقدم المساعدات الإنسانية والإغاثية لأهالي قطاع غزة عبر معبر رفح، تأكيدًا لالتزامها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية.
وفي محيطها الأفريقي والعربي، تواصل مصر العمل من أجل تسوية النزاعات بالحوار، كما هي الحال في ليبيا والسودان، حيث تعمل جاهدة على دعم وحدة التراب الوطني، ورفض التدخلات الخارجية التي تُعمّق الانقسام. كما تلعب القاهرة دورًا مزداد الأهمية في مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، من خلال التعاون الأمني والاستخباراتي، إلى جانب المبادرات الفكرية التي تدعو إلى التسامح ونبذ العنف، في إطار رؤية شاملة لتحقيق “السلام الإيجابي” الذي يقوم على العدالة والتنمية.
كما تُسهم مصر في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا وآسيا، وتشارك بفاعلية في صياغة القرارات الأممية المتعلقة بالأمن والسلم الدوليين، ما يعكس تقديرًا عالميًا لدورها المتوازن والمستند إلى الشرعية الدولية.
وفي الداخل، تبني مصر أسس سلام اجتماعي واقتصادي حقيقي، من خلال مشروعات قومية عملاقة تهدف إلى تحسين معيشة المواطن، وتقليص الفجوة بين الأقاليم، وتعزيز التنمية المستدامة باعتبارها الضمانة الحقيقية للاستقرار.
لقد أثبتت التجربة المصرية أن صناعة السلام ليست مجرد توقيع اتفاقيات؛ بل عملية مستمرة تتطلب رؤية، وحكمة، وصبرًا استراتيجيًا. ومصر، بما تمتلكه من تاريخ وموقع وثقل سياسي وإنساني، ماضية في أداء رسالتها كصانعة للسلام وحافظة لتوازن المنطقة، انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه أمتها العربية والعالم بأسره.



