رأي

اشتيوي مفتاح الجدي يكتب.. معركة وادي دينار (27 ديسمبر 1923)

حين كان العدو واضحًا، فماذا عن اليوم؟

في السابع والعشرين من ديسمبر عام 1923، شهدت تخوم منطقة بني وليد واحدة من أبرز المعارك التي خاضتها قبائل ورفلة ضد قوات الاحتلال الإيطالي الفاشي، ضمن الحملة العسكرية التي قادها الجنرال رودولفو غراتسياني لإخضاع مناطق الداخل الليبي، وعلى رأسها بني وليد، التي تبعد نحو 180 كيلومترًا جنوب شرق العاصمة طرابلس.

تشير المصادر التاريخية إلى أن القيادة العسكرية الإيطالية وضعت خطة لاقتحام بني وليد عبر أربعة محاور متزامنة، مستخدمة قوة تُقدَّر بنحو خمسة عشر ألف جندي، مدججين بالمدفعية الثقيلة، والعربات المدرعة، والرشاشات، والبنادق الآلية، إلى جانب دعم جوي بطائرات الاستطلاع، في محاولة لكسر المقاومة القبلية وتأمين السيطرة الكاملة على المنطقة.

في المقابل، تمركز مئات المجاهدين من قبائل ورفلة في محور وادي أم قراوة – وادي دينار، الذي شكّل أحد أهم خطوط الدفاع الطبيعية عن بني وليد. وهناك دارت معركة ضارية بين القوات الإيطالية وسرايا المجاهدين، استمرت من ساعات الصباح وحتى ما قبل العصر، وعُرفت لاحقًا في الذاكرة الوطنية باسم معركة وادي دينار.

ورغم الفارق الكبير في العدد والعدة والعتاد، أبدى المجاهدون مقاومة باسلة، وتمكّنوا من إلحاق خسائر بشرية ومادية معتبرة بالقوات الإيطالية، قبل أن تنتهي المواجهة تحت ضغط القصف المدفعي الكثيف والتفوّق العسكري للعدو. وأسفرت المعركة عن استشهاد وإصابة العشرات من المجاهدين، كان من بينهم ستة شهداء من عشيرة واحدة، هم:

عبد الرحيم محمود حامد السهولي (جدّي لأمي)، وأخوه التوأم أبوطبل وابنه مبارك، وأخوه حامد، وأخوه الزرقاني، وابن عمومتهم محمد المبروك السهولي.

كما جُرح في هذه المعركة خالي المجاهد عمر عبد الرحيم محمود السهولي، إلى جانب كل من المجاهد الشيخ الفقيه عيسى علي الجدي (عمّ أبي)، والمجاهد الشيخ علي محمد الجدي (عمّي، شقيق أبي).

وتُعدّ معركة وادي دينار واحدة من المعارك الوطنية الكبرى التي تندرج ضمن سياق المقاومة الشعبية للاحتلال الإيطالي خلال عشرينيات القرن الماضي، حين كان العدو واضحًا، والراية واحدة، والموقف لا لبس فيه.

واليوم، ونحن نستحضر ذكرى شهداء معركة وادي دينار بعد أكثر من مائة عام، يفرض التاريخ علينا سؤالًا لا يمكن الهروب منه: ماذا فعلنا نحن بإرث الآباء والأجداد؟ هل صُنّا الوطن؟ أم فرّطنا فيه تحت عناوين زائفة، ومصالح ضيقة، وولاءات لا تمتّ للوطن بصلة؟

إن قراءة التاريخ بمعزل عن الحاضر تُفرغه من معناه، فإرث الآباء والأجداد ليس مجرد صفحة من الماضي، بل معيارًا نقيس به صدق مواقفنا اليوم. لقد عرف أجدادنا وآباؤنا من هو العدو، ولم تختلط لديهم مفاهيم السيادة أو الاستقلال. أما اليوم، فإن ضبابية المواقف، وتناقض الولاءات، وغياب الإرادة الوطنية الجامعة، أسقطت ليبيا في قبضة الهيمنة الأجنبية، بأدوات داخلية وواجهات متعددة.

خلاصة القول، إن إرث الآباء والأجداد أمانة في الأعناق، ومسؤولية تفرض علينا أن نختار ليبيا أولًا، وليبيا دائمًا، وأن نعمل على إقامة دولة واحدة، قوية، موحّدة، دولة لا تُدار من الخارج، ولا تُختطف من الداخل، دولة تحمي كرامة شعبها، وتصون دماء شهدائها، وتستحق تاريخها.

وهنا يظل السؤال الجوهري حاضرًا بإلحاح:

هل نحن، كأحفاد، على قدر هذه الأمانة والمسؤولية؟ أم نكتفي باستحضار التاريخ في المناسبات، ونغيب عنه حين يُختبر في المواقف؟

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى