رأي

أ.د. هاني جرجس عياد يكتب.. من ضحية إلى شريك.. قراءة في جدلية الدور والمسؤولية

أستاذ علم الاجتماع – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الجامعة الإسلامية بمنيسوتا

يُعدّ علم الإجرام من العلوم الاجتماعية التي تهتم بدراسة الظاهرة الإجرامية من مختلف الزوايا، ابتداءً من شخصية المجرم ودوافعه، مرورًا بالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، وصولًا إلى السياسات العقابية والوقائية. غير أنّ تطور الدراسات في القرن العشرين كشف عن وجود قصور في الاقتصار على تحليل الجاني وحده، فالجريمة لا يمكن أن تقع إلا بوجود طرف آخر هو المجني عليه. ومن هنا برزت الحاجة إلى دراسة هذا العنصر المهم، ما أدى إلى ظهور علم المجني عليه أو علم الضحية، الذي يعدّ فرعًا حديثًا نسبيًا من فروع علم الإجرام.

علم المجني عليه هو مجال معرفي يدرس العلاقة بين الضحية والجاني، ويحاول تفسير الدور الذي قد تلعبه الضحية في حدوث الجريمة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فهو يرفض النظر إلى الضحية باعتبارها مجرد طرف سلبي يتلقى الأذى، بل يدرس كيفية تفاعلها مع الجاني، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للجريمة من غيرهم. بهذا المعنى، يشكّل هذا العلم إضافة نوعية إلى دراسة الظاهرة الإجرامية، لأنه يكشف عن أبعاد لم تكن مطروقة من قبل.

وتعود نشأة هذا التخصص إلى أربعينيات القرن العشرين على يد باحثين بارزين؛ مثل هانز فون هنتيغ وبنيامين مندلصون، اللذين قاما بتطوير تصنيفات للضحايا، وأوضحا أنّ ثمة فروقًا بين الضحية البريئة كليًا وبين الضحية التي تسهم بدرجة معينة في وقوع الجريمة. ثم جاءت دراسات لاحقة لتؤكد أهمية النظر إلى الضحية باعتبارها طرفًا فاعلًا في العملية الجنائية، ما ساعد في ترسيخ علم المجني عليه كفرع مستقل من علم الإجرام، وظهرت له جمعيات بحثية ومؤتمرات متخصصة على الصعيد الدولي.

تكمن أهمية هذا العلم في أنه يعيد التوازن إلى الدراسة الجنائية، ففي حين ركّزت الأبحاث الكلاسيكية على شخصية المجرم ودوافعه، جاء علم المجني عليه ليؤكد أنّ الضحية ليست مجرد انعكاس سلبي للجريمة، بل يمكن أن تكون سلوكياتها أو أوضاعها عاملًا من عوامل ارتكاب الجريمة. ولا يعني هذا بالضرورة تحميل الضحية اللوم، بل يفتح المجال لفهم أعمق للظروف التي تُنتج الجريمة، مما يسهم في وضع سياسات أكثر فاعلية للوقاية والعلاج.

وقد سعى الباحثون إلى وضع تصنيفات متنوعة للضحايا بحسب درجة مساهمتهم في الفعل الإجرامي، فهناك الضحية البريئة التي لا تتحمل أي مسؤولية عما وقع لها، وهناك الضحية المستفزة التي قد تدفع الجاني إلى ارتكاب الفعل من خلال سلوكيات معينة، وهناك الضحية المشاركة دون قصد، أي التي تسهم بغير وعي أو إهمال في تهيئة الظروف للجريمة، وهناك الضحية المتعاونة أو الشريكة التي تنخرط بشكل مباشر مع الجاني. هذه التصنيفات تساعد في تحليل الموقف الإجرامي بعمق أكبر، مع إدراك أن الهدف ليس تبرير فعل المجرم؛ بل فهم ديناميات العلاقة بين الأطراف.

وقد أظهرت الدراسات أن الضحية قد يكون لها دور مباشر في وقوع الجريمة، مثل إظهار سلوك استفزازي، أو التهاون في حماية ممتلكاتها، أو الدخول في علاقات محفوفة بالمخاطر. كما يمكن أن يكون دورها غير مباشر من خلال أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، فالأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع أو في بيئات غير آمنة، غالبًا ما يكونون أكثر عرضة للاستغلال. وبالتالي، فإن دراسة أوضاع الضحية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تُعدّ مدخلًا أساسيًا لفهم خريطة الجريمة في أي مجتمع.

ولا يقتصر دور علم المجني عليه على التحليل الوصفي؛ بل يمتد إلى الجانب الوقائي، فهو يساعد في تطوير استراتيجيات وقائية تهدف إلى تقليل فرص التعرض للجريمة؛ مثل نشر الوعي بكيفية حماية البيانات الشخصية في العصر الرقمي، أو التوعية بمخاطر التجوال في أماكن غير آمنة، أو تدريب الفئات الضعيفة على أساليب الحماية الذاتية. وبذلك يسهم هذا العلم في حماية الأفراد قبل وقوع الجريمة، لا بعد وقوعها فقط.

وقد انعكس الاهتمام بالضحايا على التشريعات الحديثة، حيث منحتهم دول عديدة حقوقًا جديدة؛ مثل الحق في الحصول على تعويض مادي، والمشاركة في المحاكمات من خلال الإدلاء بآرائهم أو شهاداتهم، وتوفير الحماية القانونية لهم ضد التهديدات. كما أن بعض الأنظمة القضائية أنشأت مكاتب خاصة لدعم الضحايا، تقدم لهم خدمات نفسية واجتماعية وقانونية تساعدهم في تجاوز آثار الجريمة.

لقد كان تجاهل الضحايا في النظام الجنائي التقليدي يمثل إحدى الثغرات الكبيرة، إذ كان التركيز منصبًّا على الجاني فقط، باعتباره مصدر الخطر الذي تجب السيطرة عليه. لكن علم المجني عليه أسهم في إعادة التوازن للنظام، حيث اعتبر الضحية طرفًا أساسيًا في العملية الجنائية، يجب الإصغاء إليه وحمايته وتمكينه من حقوقه. ومن ثم فإن إدماج هذا العلم في السياسات الجنائية يُعدّ خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الشاملة.

ومع ذلك لم يسلم هذا الفرع من الانتقادات، إذ أشار بعض الباحثين إلى أن التركيز على الضحية قد يُفهم أحيانًا على أنه محاولة لتحميلها جزءًا من المسؤولية عما وقع لها، وهو ما يُعرف بمفهوم “لوم الضحية”. وهذا التوجه قد يكون خطيرًا لأنه يضعف من مبدأ العدالة ويُعطي المجرم فرصة للتنصل من فعله. لذلك يحرص علماء المجني عليه على التأكيد أن الغرض من الدراسة هو التحليل العلمي للظاهرة، وليس تبرير السلوك الإجرامي.

وقد وجد علم المجني عليه تطبيقات عملية في مجالات مختلفة؛ مثل علم النفس الجنائي الذي يهتم بالعلاج النفسي للضحايا، والسياسات الجنائية التي تضع برامج حماية ودعم لهم، والعمل الشرطي الذي يستفيد من معرفة أنماط الضحايا لتحسين أساليب التحقيق والكشف. كما أن هذا العلم أصبح جزءًا من برامج إعادة التأهيل الاجتماعي للضحايا والجناة معًا، بما يحقق أهداف العدالة الإصلاحية.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن علم المجني عليه يمثّل إضافة علمية كبيرة إلى حقل علم الإجرام، لأنه يوسع من دائرة الاهتمام بدراسة الجريمة لتشمل العلاقة المعقدة بين الجاني والضحية. ومن خلال هذا الفهم المتكامل، يمكن تطوير سياسات أكثر إنصافًا وتوازنًا في التعامل مع الظاهرة الإجرامية، بحيث يتحقق العدل لكل الأطراف، وتصبح الوقاية من الجريمة أكثر فاعلية، والعدالة الجنائية أكثر شمولًا.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى