تقدير موقف

أحمد أنور  يكتب.. سيناريوهات ما بعد “بابنوسة”

تشهد مدينة بابنوسة في ولاية غرب كردفان بالسودان تطورات متسارعة وخطيرة تؤثر بشكل مباشر على معادلة الحرب في الدولة التي تتعرض لخطر الانقسام والتقسيم.

​بناءً على أحدث المعطيات الميدانية…

1-​فقد أعلنت منذ بضعة أيام قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على قيادة الفرقة 22 مشاة بمدينة بابنوسة، وهي المعقل الرئيسي الأخير للجيش السوداني في ولاية غرب كردفان. ورغم أن الجيش لم يصدر تأكيداً رسمياً فورياً بالانسحاب الكامل، إلا أن الصور والمقاطع المتداولة تشير إلى تغير كبير في السيطرة الميدانية لصالح الدعم السريع بعد حصار ومعارك ضارية استمرت لأشهر.

​2. أهمية سيطرة الدعم السريع على بابنوسة

​سقوط “الفرقة 22” في قبضة الدعم السريع ليست مجرد انتصار تكتيكي عسكري عادى،بل هو تحول استراتيجي يقلب موازين القوى في غرب السودان للأسباب التالية:

​*الربط الجغرافي (توحيد الغرب):مدينة بابنوسة هي “حلقة الوصل” الجغرافية بين إقليم دارفور وكردفان. وبالاستيلاء عليها، تستطيع قوات الدعم السريع ربط مناطق سيطرتها في دارفور (التي تسيطر عليها شبه بالكامل) مع غرب كردفان، مما يخلق كتلة جغرافية ضخمة ومتصلة تحت نفوذها.

​*السكك الحديدية (شريان النقل): تُعرف بابنوسة بأنها “ملتقى السكك الحديدية” في السودان، حيث تربط الغرب (نيالا) بالوسط (العاصمة الخرطوم) والشمال (بورتسودان) والجنوب (دولة جنوب السودان). السيطرة عليها تعني التحكم في خطوط الإمداد والمواصلات الحيوية.

​*ملف النفط والطاقة: تقع بابنوسة في قلب مناطق إنتاج النفط (حقول غرب كردفان المتاخمة لحقول هجليج الغنية). السيطرة عليها تمنح الدعم السريع ورقة ضغط اقتصادية هائلة، وتهدد خطوط نقل النفط (بما في ذلك نفط دولة جنوب السودان الذي يمر عبر السودان للتصدير).

*والأهم ميدانياً هو ​عزل الجيش في كردفان: بسقوط الفرقة اثنتين وعشرين يصبح وجود الجيش في ولايات كردفان الأخرى (مثل الأبيض في شمال كردفان وكادقلي في جنوب كردفان) أكثر عزلة وصعوبة في الإمداد، مما يضع مدينة الأبيض (الاستراتيجية جداً) كهدف تالٍ محتمل.

​لكن السؤال الذى يُطرح الآن بقوة فى ظل المعارك وكل هذه التطورات الميدانية:مامستقبل الدولة ككل؟وكيف يرفض الجيش وقف إطلاق النار والاستجابة لمحاولة الهدنة رغم موقفه الميدانى هذا؟

إن السيناريوهات المتوقعة

​في ظل هذا التطور أن يواجه مستقبل السودان عدة سيناريوهات، أغلبها يميل نحو التعقيد:

*​السيناريو الأول: الانقسام الفعلي (نموذج ليبيا)

​وهو السيناريو الأخطر والأكثر ترجيحاً حالياً. قد يؤدي هذا الوضع إلى انقسام السودان بحكم الأمر الواقع إلى منطقتي نفوذ:

​الغرب (دارفور وكردفان): تحت سيطرة قوات الدعم السريع.

​الشرق والشمال والوسط: تحت سيطرة الجيش السوداني والحكومة الحالية (بورتسودان، نهر النيل، القضارف، إلخ).

هذا الوضع قد يؤسس لحكومتين وسلطتين إداريتين مختلفتين، مما يعقد فرص استعادة وحدة الدولة قريباً.

*​السيناريو الثاني: تمدد الحرب نحو ولايات جديدة

​قد تستغل قوات الدعم السريع الزخم العسكري للتحرك نحو مناطق جديدة لم تكن في صلب الصراع، مثل الضغط أكثر على ولاية النيل الأبيض أو محاولة خنق خطوط إمداد الجيش نحو العاصمة والجزيرة، مستفيدة من تأمين ظهرها في الغرب.

​*السيناريو الثالث: الانهيار الشامل والفوضى

​مع غياب الحسم العسكري الكامل لأي طرف، وتدمير البنية التحتية (مثل ما يحدث في بابنوسة)، قد تتفكك السيطرة المركزية لكلا الطرفين لصالح مليشيات قبلية محلية، مما يحول السودان إلى “بؤر صراع متناثرة” يصعب السيطرة عليها (نموذج الصوملة)، وهو ما يفاقم الكارثة الإنسانية والمجاعة.

​الخلاصة

إن ​سيطرة قوات الدعم السريع على بابنوسة (إذا استقرت واستمرت) فستعني عملياً خروج ولاية غرب كردفان عن سيطرة الجيش، وتضع وحدة السودان الجغرافية والسياسية على المحك أكثر من أي وقت مضى. الحرب لم تعد مجرد قتال على السلطة في الخرطوم، بل تحولت إلى صراع وجودي يهدد بتفتيت خريطة دولة أنهكها الصراع ويدفع ثمنه الشعب،وهو حصاد أحداث أكتوبر ضد خطة تسليم الدولة لإدارة مدنية وهى التى انقلب عليها عبد الفتاح البرهان.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى