تقدير موقف

ولاء جمال تكتب.. “اتفاق مكة” وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة وإعادة تشكيل لموازين القوى في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، برز التكتل الإستراتيجي والدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان كأحد أكثر التحالفات إثارة للجدل والاهتمام على الساحة الدولية.

يجمع هذا التحالف الثلاثي بين الثقل الاقتصادي والروحي للمملكة العربية السعودية، والقدرة العسكرية والتصنيعية المتقدمة لتركيا، والردع النووي لباكستان؛ ليشكّل قوة إقليمية تهدف إلى إعادة توازن الردع وحماية الأمن الجماعي للدول الثلاث.

ومن هنا تُطرح عدة تساؤلات حول طبيعة التحالف الثلاثي، وأهدافه القائم عليها، وآلية عمله. 

أولاً: طبيعة التحالف الثلاثي: 

وُقّعت الاتفاقية بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في مكة المكرمة، وذلك في السابع من أغسطس الجاري.

تنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على باقي الأعضاء في التحالف، إلى جانب تعزيز مجالات التعاون الدفاعي والعسكري والاستخباراتي بين تركيا وباكستان والسعودية.

يتقارب ذلك مع المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، غير أن التشابه في المبدأ لا يعني التطابق في البنية أو القدرات؛ فالناتو يمتلك قيادة عسكرية موحدة، وهيكلاً مؤسسياً متكاملاً، وقوات جاهزة للتدخل السريع.

ماذا تمثل اتفاقية مكة للدول الثلاث؟

يُمثل التحالف مبدأ تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة، بعدما بات الاعتماد على القوى الكبرى الخارجية أمراً عديم الفائدة في معالجة الأزمات الجارية.

بالنسبة للسعودية، تمثل الاتفاقية تعزيزاً لموقعها التفاوضي في المنطقة لمواجهة الاضطرابات المحيطة بها في الإقليم والتحديات المتنامية، وكذلك توسيع شراكاتها الأمنية بدلاً من الاعتماد على شريك واحد فقط.

كما سيضمن لباكستان الانخراط في المنظومة الأمنية في المنطقة، ويمنحها نفوذاً إضافياً بصفتها دولة نووية، كما سيعزز مجال علاقاتها الاستراتيجية بالمنطقة.

حوّل الاتفاقُ عشراتِ السنين من العلاقات المقتصرة على التدريب والتسليح والتبادل المعلوماتي بين الدول الثلاث إلى التزام دفاعي مكتوب لأول مرة.

العمود الفقري للاتفاقية: أي هجوم على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على باقي الأعضاء، لكن هذا المبدأ يقابله نص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحفظ حق الدفاع الفردي والجماعي عند حدوث هجوم مسلح، وهذا ما يحدد الفرق بين استخدام القوة من عدمه، ويحدد الشروط المسموح بها لاستخدام القوة قانونياً بحسم محكمة العدل الدولية، كما حدث في قضية نيكاراجوا حين فرّقت بين الحروب الجسيمة والمناوشات المحدودة من ناحية أخرى.

هذا الفرق هو الذي يفتح باب الحرب أو يغلقه، وبما أن المنطقة محل البحث تتعرض لحروب ومناوشات، وكل قوة من الثلاث لديها قدراتها العسكرية، فمفهوم التحالف العسكري هنا يأخذ معنى الردع قبل بدء الهجوم (الردع السياسي) دون تحرك أي قوة؛ أي إن القوات موجودة لمنع أي تحرك خارجي، فهي بمثابة بوابة حاجزة لمنع أي تعدٍّ”.

آلية الدفاع المشترك: ما حدث في تحالف مكة هو بمثابة لمّ شمل لقوى ثلاث بينها تاريخ تعاوني مشترك، مع بقاء كل جيش على أرضه ورفض فكرة النموذج المركزي؛ فالسعودية لديها ترسانة ضخمة من السلاح الغربي، وتركيا لديها جيش مجهز على معايير حلف الناتو ويُقال عنه إنه ثاني أكبر جيش نظامي بالحلف، بالإضافة إلى ترسانة باكستان البحرية وقوتها النووية.

لكن يبقى التساؤل: من يمسك بـ “زر القوة”؟

في الحقيقة، لا يوجد طرف واحد يمسك بزمام الأمور، فالحلف كما ذكرنا يرفض فكرة النموذج المركزي، ولا يوجد هيكل قيادي موحد، وإنما هو ترتيب تشاوري إداري يُدار تحت تشكيل لجان من وزراء دفاع الدول الثلاث، وببتشكيل قوة مؤقتة للدفاع.

آلية العمل:

الدولة التي تتعرض لهجوم تعلن بنفسها أنها تعرضت لهجوم.

تقديم طلب للجان للمساعدة.

تتشاور اللجان حول طبيعة المساعدة المقدمة.

وهذا المبدأ يضمن لكل دولة حق “الفيتو” لتختار شكل المساعدة المقدمة دون إجبار، للحفاظ على أمن دولتها داخلياً وخارجياً وللالتزام بالاتفاق مع دول التحالف؛ فالمساعدة قد تكون مادية، لوجستية، استخباراتية… إلخ.

توصيف لطبيعة التحالف ومستقبله: بالنظر إلى حالة الدول المشاركة في التحالف والتزاماتها الخارجية؛ فتركيا كونها عضواً في حلف الناتو الذي يلزمها بعدم التورط في حروب مع دول أخرى، وغياب قوة إقليمية كبرى كمصر عن التحالف، فضلاً عن الخلافات بين دول المنطقة، يجعل فكرة قيام تحالف عسكري بالمعنى الدقيق أمراً صعباً، بل هو كيان إقليمي لتوجيه السياسات في المنطقة وليس تحالفاً عسكرياً بالمعنى الدقيق.

كذلك سيُضعف هذا التحالف قوة إسرائيل في المنطقة ويُضعف نفوذها، وذلك أصبح واضحاً في ضعف إسرائيل الآن في التأثير على قرارات الولايات المتحدة في المنطقة؛ حيث سيصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي بمثابة متسابق ضمن متسابقين أكبر للوصول إلى أذن الولايات المتحدة، وستتحول إسرائيل إلى عبء على الولايات المتحدة في المنطقة، وستنسف الفكرة التأسيسية القائمة عليها العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من كونها شريكاً إلى عبء.

خلاصة القول: 

التحالف ليس عسكرياً بالمعنى التقليدي الذي توحي به صياغته، بل هو تحالف سياسي وظيفي محدود الغرض، ويُعتبر بمثابة النواة الأولى لبناء قوة إقليمية كبرى في المنطقة بعيداً بعض الشيء عن التأثيرات الخارجية، ومظلة مفتوحة للدول الأخرى للانضمام إليه.

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى