تقدير موقف

سباق الفضاء الجديد New Space وفرص الاستثمار في الفضاء

د. حسام يسين  الباحث في القانون الدولي

يعيش العالم الآن في خضم سباق فضائي جديد يطلق عليهNew Space  ، حدث فيه تغيرًا دراماتيكيًا عن فضاء احتدمت فيه المنافسة بين قطبي الفضاء الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي انذاك.

فمع نهاية الحرب الباردة، أصبح الاستثمار في الفضاء الخارجي محركًا جيدًا للنمو الاقتصادي العالمي، وبعد أن كان مخصصًا للدول التي كانت الجهات الرئيسية في الفضاء الخارجي، أصبح متاحًا للقطاع الخاص، ومع انخفاض تكاليف الوصول من عام إلى آخر، وإعادة استخدام الصواريخ، وإطلاق مئات الأقمار الصناعية في وقت واحد، أصبح الفضاء الخارجي قطاعًا مهمًا في حياتنا اليومية ووسيلة للتقدم العلمي وتدفق المعلومات ونقل البيانات، ومن المتوقع أن يوفر خدمات جديدة مثل التعدين والسياحة الفضائية .

وأصبح الاستثمار في الموارد الفضائية على وشك أن يصبح حقيقة، فمنذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ الحديث عن ظاهرة الفضاء الجديد New Space، وهي ظاهرة ديناميكية بدأت في الولايات المتحدة، ارتبط بظهورها جهات فاعلة جديدة على الساحة الفضائية، وخاصة الكيانات غير الحكومية، أتاح الفضاء الجديد لرواد الأعمال الأمريكيين تطوير تقنيات أرخص، مع ضمان موثوقية أكثر بفضل الدعم المالي الذي قدمته الحكومة الأمريكية، وقد أصبح هذا ممكنًا بفضل سياسة وكالة ناسا التي فضلت إنشاء شراكات بين القطاعين العام والخاص.

في سياق الفضاء الجديد أصبح قطاع الفضاء أكثر قدرة على التنافس، والآن يشهد العالم نمواً كبيراً في الاستغلال التجاري للأنشطة في الفضاء الخارجي، وقد أدى هذا الاتجاه إلى زيادة كبيرة في عدد الكيانات غير الحكومية المشاركة في الاستثمارات في الفضاء الخارجي، فضلاً عن الأنشطة المتنوعة التي تقوم بها هذه الكيانات، وقد بدأت بالفعل الاستثمارات في الاتصالات السلكية واللاسلكية عبر الأقمار الصناعية، والملاحة وتحديد المواقع عبر السواتل، وتوفير معدات وخدمات الإطلاق والاستشعار من بعد، تتطور إلى صناعات خاصة، كما أن المشاريع التي بدت وكأنها خيال علمي مثل السياحة الفضائية واستخراج الموارد المعدنية من الكويكبات، بدأت تبدو وكأنها احتمالات حقيقية، وتحقق ذلك  بفضل الشركات الخاصة التي أحرزت الآن تقدمًا كبيرًا في صناعة الفضاء الخارجي.

فتحتوي الكويكبات على عدد لا حصر له من الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى الماء الموجود في شكل جليد، فنجد المعادن الثمينة مثل الكوبالت والحديد والفضة والبلاتين والنيكل والألمنيوم، ويمكن أن يتخذ استغلال هذه الموارد أحد شكلين: إما استخراج المواد الخام لمعالجتها على الأرض، أو معالجتها في الموقع لدعم الأنشطة الفضائية (توفير الوقود أو الماء للمحركات والطواقم).

يمكن استخراج المعادن من القمر والأجرام السماوية الأخرى، فالقمر والمريخ والأجرام السماوية الأخرى تحتوي على موارد نادرة، أو غير موجودة على الأرض، ويمكن أن تكون ذات قيمة هائلة، ومن الأمثلة على ذلك الهيليوم3، وهو مادة شائعة على القمر ولكنها نادرة للغاية على الأرض،  يتمتع الهيليوم 3 بإمكانية أفضل لتوفير طاقة نظيفة وفعالة من أي مصدر آخر معروف حاليًا على الأرض .

يمكن أن يؤدي استخدام الطاقة المنتجة على القمر إلى تقليل اعتماد الأرض على الوقود الأحفوري بما في ذلك البترول والفحم والغاز الطبيعي والانبعاثات المصاحبة له من الغازات المسببة للاحتباس الحراري والملوثات الأخرى على الأرض، وهذا يمكن أن يثبت الإنتاجية (القيمة لكل وحدة تكلفة) المرتبطة بالأنشطة على سطح القمر، وتحسين الاستدامة الاقتصادية للأنشطة القمرية، ودعم الوجود البشري الدائم والاستيطان على القمر، وخفض تكلفة الأنشطة القمرية، وقد يشجع هذا النشاط الاستثمار في البنية التحتية الفضائية من قبل المؤسسات الخاصة وغيرها لتوليد الطاقة على الأرض وعلى القمر.

وقد تكون التطورات الأخيرة لرحلات الفضاء الخاصة، مثل رحلة Space Shipone، ورحلة السائح Dennis Tito إلى محطة الفضاء الدولية، مؤشر على الاتجاهات المستقبلية لمشاركة المؤسسات الخاصة في هذا المجال، والاستفادة من الموارد التي لن تكون متاحة لوكالة ممولة من القطاع العام مثل وكالة ناسا، وبيع حقوق بث لصور الفيديو والصوت للبعثة، وقد كانت صور مركبةMars Rover  و Mars Explorer من بين الصور الأكثر شيوعًا على الإنترنت لبعض الوقت .

وهكذا، ومع امتلاك عشرات الدول لتكنولوجيا الفضاء، فإن الحافز للحصول على الموارد الوفيرة المتاحة في الفضاء بسبب استمرار استنزاف موارد الأرض والقدرة على تنفيذ الخطة المتاحة للجمهور للسفر إلى المريخ بتكلفة منخفضة سيأتي قريبًا، حيث تستعمر دولة واحدة أو أكثر الأجرام السماوية الأقرب إلى الأرض .

وبالإضافة إلى استخراج المعادن من القمر والأجرام السماوية الأخرى، ترتبط الأقمار الصناعية اليوم بعدد من الأنشطة التجارية الرائدة التي لا غنى عنها للإنسان، وأبرزها خدمات الاتصالات الصوتية والمرئية عبر الأقمار الصناعية، وخدمات الإنترنت، وأيضًا خدمات الملاحة والتوجيه عبر الأقمار الصناعية GPS، والتي تستخدم في النقل الجوي والبحري والبري، كما تستخدم في مجال الاستشعار من بعد للأرض لدراسة التضاريس والمياه الجوفية ومواردها الطبيعية، وكذلك دراسة المواقع الجغرافية ودراسة المناخ لتجنب الكوارث الطبيعية أو التخفيف من شدتها من خلال تتبع العواصف والأعاصير والأماكن التي تستهدفها.

أيضا من السهل إطلاق المركبات الفضائية من على سطح القمر بالمقارنة من إطلاقها من على سطح الأرض بسبب الجاذبية الأضعف لبيئة القمر الفراغية، ويمكن أن يكون نقطة انطلاق مثالية لمهام الرحلات الاستكشاف إلى كواكب أخرى داخل النظام الشمسي.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى