رانيا ضيف يكتب.. أزمة العقل العربي (1)

التاريخ يقيم الأمم وفقًا لما تركوه من علم وموروث حضاري وإنساني لا حسب إيمانهم وأخلاقهم
والله لا يحابي الجهلاء ولا يرفع ويعز أمة إلا بعملها وبمدى تطبيقها لنواميسه في كونه، فالجلوس على أطلال الماضي واستحضار فخرنا بما تركه بعض علمائنا كأسس معرفية ومبادئ للعلوم مثل ابن سينا وجابر بن حيان وابن الهيثم والخوارزمي، وغيرهم منذ قرون عدة، تلاشى أثرها الآن، هو نهج العاجز المتقاعس عن أداء واجبه.
لماذا غاب العرب عن المشهد العلمي العالمي؟ حتى الأسماء القليلة التي أحدثت تقدمًا ملموسًا ومساهمة فعالة درسوا في الخارج واختلطوا بثقافات مختلفة ورفعوا اسمهم هناك! مثل د. أحمد زويل وفاروق الباز ومجدي يعقوب ودكتور طه حسين وغيرهم.
لماذا لم نقدم نماذج تسهم في تشكيل الفكر الإنساني بشكلٍ عام؟ فالحضارة الغربية قامت على العلم، والحضارة اليونانية اعتمدت على الفلسفة، فهل لنا حضور في تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة الآن؟
تُرى هل أسهم في تراجعنا الاعتقاد بأن دراسة الفقه والعلوم الشرعية هي أفضل العلوم وأعظمها وأحبها إلى الله، بينما العلوم الدنيوية التي تحتاجها الأمة هي من فروض الكفاية؟
وهل أخلفت دراسة الفقه والعلوم الشرعية منهجية فكرية حجبت العقل عن إنتاج المعرفة؟
أكانت مشكلتنا تقديم النقل على العقل؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها في سبيل البحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت لتراجعنا العلمي وعجز العقل العربي عن إنتاج المعرفة، فنحن مستهلكون لا منتجون.
أثناء بحثي استوقفتني مقولة للدكتور طه حسين عميد الأدب العربي -الذي أثار الجدل بفكره ومواقفه إلى يومنا هذا، وكان أول من تناول الحضارة من وجهة نظر نقدية وكتابه الأهم “مستقبل الثقافة”، والجدير بالذكر أن كل من تناول هذا المبحث استفاد مما كتبه طه حسين –
حيث قال: “أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب“.
فهل اقتفينا أثرهم وسلكنا طريقهم، فكانت الهوة سحيقة بيننا وبينهم فاستمر تقدمنا غير ملموس؟
تلك الأسئلة وأكثر شغلت بعض المثقفين والمفكرين، ومن أبرز الذين تناولوا الفكرة دراسة واجتهادًا الدكتور محمد شحرور، الذي أرجع أزمة العقل العربي لمنهجية تفكيره، فرأى أن العقل العربي عقل ترادفي – وهو نهج غير دقيق وغير مناسب للتفكير العلمي، بينما لا يعيب الشعر الترادف أو الكذب أو الخيال – وعقل قياسي يحتاج لنسخة كي يقيس عليها لذلك هو غير قادر على الابتكار.
كما أن العقل الجمعي العربي اعتاد السؤال عما هو مسموح بدلًا من السؤال عما هو ممنوع، فبالنسبة له كل شيء ممنوع وحرام حتى يثبت العكس، بينما يفترض أن الأصل في الأمور الإباحة إلا ما حُرم بنص ديني أو قانون.
فبدلًا من أن يسأل العربي عن كيفية اختراع الموبايل، فإن أول ما يخطر بباله؛ هل استخدام الموبايل حرام أم حلال؟ وهذا المبدأ كرس عقلًا مستكينًا مستهلكًا لا منتجًا؟
فأصبح العلم تلقينًا دون نقاش، يعتمد على الشكل دون المضمون، وخَرّجت الجامعات ملايين الخريجين ولم تهتم بتخريج مخترع، كما أصبح مصطلح العلماء يُطلق على رجال الدين ولا يعني علماء الطب والذرة والفيزياء!

في سياق نقد العقل العربي، كان للدكتور محمد عابد الجابري المفكر والفيلسوف المغربي مشروع تضمن ٤ كتب:
١- تكوين العقل العربي.
٢- بنية العقل العربي.
٣- العقل السياسي.
٤- العقل الأخلاقي.
من بعض العناصر المهمة لرباعيته:
١- سبب تراجعنا وتقدم الغرب هو العقل العربي الذي تكون خلال عصر التدوين.
٢- العقل العربي تكون وفق ٣ أنظمة معرفية؛ وهي البيان والعرفان والبرهان.
البيان مرتبط بالعلوم النصية، والعرفان مرتبط بالعلوم الباطنية والسحرية، والبرهان بالمنطق والعقلانية.
وعندما انتصر البيان والعرفان على البرهان تراجع العقل العربي.
وأن التقدم لا يعني رفض التراث كليًا فلدينا في التراث ما يكفي للتقدم، ولكن العقل العربي القادر على صناعة التقدم حاليًا هو العقل المغربي لاعتماده على البرهان.
أما العقل السياسي العربي فتحكمه ٣ عناصر أساسية؛ هي القبيلة والغنيمة والعقيدة، ولا يمكن تغيير العرب إلا عبر تحويل القبيلة لتنظيمات مدنية، والغنيمة لاقتصاد إنتاجي، والعقيدة إلى رأي.
والحقيقة أن مشروع الجابري لاقى حفاوة من بعض المفكرين كما لاقى استهجان مفكرين ومثقفين آخرين؛ مثل چورچ الطرابيشي والذي أطرى على الجابري وانبهر بما طرح، ثم اكتشف مغالطات كثيرة ذكرها في سلسلة من الكتب على مدار ٢٥ عامًا.
والخلاصة أن كل عقل محكوم بفضائه الثقافي والمعرفي وكل عقل يستند لهذه المرجعية، وبناء على ذلك يتفاعل مع الحياة والواقع.
وسوف نكمل باقي المقال في العدد المقبل.



