رأي

د.فرج بوخروبة يكتب.. العروبة معنى متقد خلف الرماد

لبيك يا علم العروبة نداء يخرج من عمق الوجدان العربي في زمن تتكاثر فيه الخيبات وتتراجع فيه المواقف وتُختزل فيه القضايا الكبرى إلى بيانات باهتة لا حرارة فيها ولا روح ومع ذلك يبقى هناك ما يستحق أن يُقال وما يستحق أن يُرفع وما يستحق أن يُدافع عنه يبقى هناك علم ليس مجرد قطعة قماش بل ذاكرة ووجدان وجرح وأمل يبقى هناك صوت لا يموت مهما اشتدت العواصف وتكاثرت محاولات الطمس صوت يقول إن هذه الأمة وإن طال انكسارها لم تفقد حقها في النهوض ولا قدرتها على المقاومة ولا إيمانها بذاتها

العلم الذي نتحدث عنه ليس رمزًا سياسيًا عابرًا ولا شعارًا يُرفع في المناسبات بل هو ذاكرة أجيال كاملة ذاكرة شباب كانوا يرفعونه بأذرع نحيلة وقلوب تشبه الجبال يهتفون له كأنهم ينقلون الأرض للهاتف إلى السماء لم يهتفوا لسلطة ولا لحزب ولا لزعيم بل لهوية أكبر من الجميع هوية كانت وما زالت قادرة على جمع ما فرّقته الحدود وإحياء ما حاولت الهزائم دفنه

وحين ننظر إلى المشهد العربي اليوم نجد واقعًا يوجع دول تتسابق إلى التطبيع وأخرى تتسابق إلى التفكك وثالثة تتسابق إلى الصمت خطاب رسمي فقد لونه ورائحته وصار أقرب إلى بيانات علاقات عامة منه إلى مواقف سياسية وشعوب تُترك وحدها في مواجهة الحروب والحصار والجوع بينما تُدار السياسات من غرف مغلقة لا يدخلها ضوء ولا يدخلها ضمير ومع ذلك ورغم كل هذا يبقى هناك شيء لا يموت شيء يشبه الجمر تحت الرماد نبض خافت لكنه ثابت هذا الشيء هو العروبة

العروبة التي نتحدث عنها ليست مشروعًا سياسيًا ضيقًا ولا أيديولوجيا جامدة بل هي هوية مقاومة هوية تقول إنك تنتمي إلى فضاء أوسع من حدودك وإنك جزء من قصة أكبر من يومك وإنك تحمل مسؤولية أكبر من نفسك العروبة ليست ضد أحد لكنها ضد الظلم ضد الاحتلال ضد التبعية ضد أن يتحول العربي إلى مجرد رقم في معادلات الآخرين وحين نرفع علم العروبة فنحن نرفع تاريخًا لا يمكن شطبه نرفع ذاكرة أجيال قاومت الاستعمار وواجهت الاحتلال ودافعت عن الأرض والكرامة نرفع وجوه الشهداء الذين سقطوا وهم يرددون أسماء أوطانهم نرفع دموع الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن عند المعابر نرفع صرخات الأطفال الذين حلموا بمدرسة لا تُقصف وبسماء لا تمطر نارًا

إن استعادة العروبة اليوم ليست ترفًا فكريًا بل ضرورة وجودية ضرورة لأن نعيد تعريف السياسة لا كمصالح ضيقة بل كأخلاق ومواقف وأن نعيد تعريف الهوية لا كجواز سفر بل كقضية ووجدان ضرورة لأن نعيد للعلم معناه وللأغنية الوطنية صدقها وللخطاب السياسي كرامته وللإنسان العربي مكانته لبيك يا علم العروبة هو نداء من أجل أن تبقى الذاكرة حيّة وأن يبقى الحلم ممكنًا وأن يبقى الإنسان العربي واقفًا رغم كل محاولات الانحناء هو نداء من أجل الأطفال الذين يحلمون بمدرسة لا تُقصف ومن أجل الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن عند المعابر ومن أجل الشهداء الذين كتبوا أسماءهم بدمهم على جدران المدن المنكوبة

هو دعوة لأن نستعيد الغضب النبيل لا الغضب العبثي وأن نعيد كتابة الحكاية بأيدينا لا بأيدي الآخرين لبيك يا علم العروبة ليس نداء الماضي بل نداء المستقبل نداء يقول إن الأمة التي ترفع علمها لا تموت وإن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تُهزم وإن الحلم الذي يُروى بالدم لا يذبل وسيبقى هذا النداء ما بقي هناك طفل يُشرّد وأرض تُحتل ومدينة تُقصف وكرامة تُهان وسيظل ما بقي هناك عربي واحد يرفض أن ينحني

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى