د. أحمد عبد العزيز بكير.. المحور المهزوم: تبعية تاريخية وإمعان في التواطؤ

من يتأمل مواقف ألمانيا واليابان وإيطاليا من الحرب على غزة، يرى أن التاريخ يعيد نفسه؛ ليس كمأساة أو ملهاة فحسب، بل أحيانًا كمسخرة مكتملة الأركان. هذه الدول، التي شكلت يومًا “المحور” النازي – الفاشي، ما زالت غارقة في حالة استسلام دائم منذ عام 1945. تغيرت الأعلام والوجوه، لكن الجوهر بقي ذاته: تبعية كاملة للولايات المتحدة وطاعة عمياء لأوامر البيت الأبيض، وكأنهم لم يستخلصوا من تاريخهم سوى درس الخنوع.
فألمانيا، بقيادة مستشارها الجديد فريدريتش ميرتس، لا تختلف في جوهرها عن سابقتها. فهي لا تزال رهينة عقدة “الهولوكوست”، حيث لا تجرؤ أي حكومة على تقديم أمن بلادها قبل ما يسمى “أمن إسرائيل”. لقد تحولت إلى مكتب علاقات عامة للسفارة الإسرائيلية، متواطئة في حرب إبادة مباشرة ضد شعب غزة تحت ذريعة الخوف من “معاداة السامية”. أما اليابان العملاق الاقتصادي المزيف، والتي لا تحمل عقدة المحرقة مثل ألمانيا، فإنها تعيش تحت ظل هيروشيما وناغازاكي، مسلّمة سيادتها طوعًا لواشنطن. رئيس وزرائها شيجيرو إيشيبا ليس سوى ناطق باسم البنتاغون، يلتزم بالخطوط الحمراء للمعلم الأمريكي بانحناءة خجولة وابتسامة مصطنعة، من دون اكتراث حقيقي بجغرافيا غزة أو تاريخ فلسطين. وفي إيطاليا، حيث تترأس جورجيا ميلوني حكومة تجمع بين الملامح الهوليودية والنزعات النيوليبرالية المتأمركة، لا تصوغ روما سياسة مستقلة. إنها تكتفي بدور الكومبارس الذي يتلقى نصوصه من بروكسل ويوقع عليها في واشنطن، ثم تعلنها في الداخل باسم “المصلحة الوطنية”، بما في ذلك تبريرها المستمر للجرائم الصهيونية في غزة.

الموقف المشترك لهذا “المحور المهزوم” من القضية الفلسطينية يتسم بالانحياز الكامل لإسرائيل والعداء الصريح لحقوق الشعب الفلسطيني. فهم يواصلون وصم حركات المقاومة الفلسطينية المشروعة بـ”الإرهاب”، متجاهلين جذور الصراع وطبيعة الاحتلال الاستعماري، في محاولة لتجريد الفلسطينيين من حقهم الطبيعي في الدفاع عن أنفسهم وأرضهم. هذا الموقف ليس سوى امتداد لتبعيتهم العمياء للسياسة الأمريكية، وتخليًا صارخًا عن مبادئ العدالة الدولية وحقوق الإنسان التي يدّعون الالتزام بها.
والأكثر إدانةً هو أن هذه الدول، رغم ترديدها الشكلي أحيانًا لدعوات “وقف إطلاق النار” أو “التهدئة”، تظل في صميم عملها داعمةً للآلة الحربيّة الإسرائيلية. فالدعم الدبلوماسي والسياسي الذي تقدمه هو غطاء شرعي لاستمرار العدوان، بينما لا تتخذ أي إجراءات فعلية حاسمة لوقف نزيف الدماء. إنها ازدواجية تكشف أن “الدروس” التي تعلموها من تاريخهم المظلم ليست دروسًا أخلاقية في تجنب جرائم الحرب؛ بل هي دروس براجماتية في كيفية البقاء في حضن القويّ مهما بلغت فظائعه. لقد تخلوا طوعًا عن دورهم كقوى دولية فاعلة يحق لها احترام ذاتها، ورضوا بأن يكونوا مجرد أدوات في مشروع هيمنة يكرس الظلم والاحتلال، مما يؤكد أنهم تحولوا من فاعلين تاريخيين كبار إلى مجرد كيانات محمية، لا تجيد سوى دور الموظف المطيع في مكتب الاستعمار الجديد.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



