اليابان تمزق السلام والصين ترد بـ “العدالة”

إعداد/ الدكتور/ أشرف ممتاز (مدير وحدة الشئون الصينية)
منذ تولى ساناكى تاكايتشى رئاسة الحكومة اليابانية نوفمبر الماضي والأزمات تتصاعد سريعا في شرق القارة الاسيوية والتي تبدو على مشارف صراع إقليمي تديره واشنطن و”تحرضه” في مشهد لا يختلف عما تشهده أوروبا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وقد تتشابك أطراف الصراعات في القارتين في صدام عالمي كارثي. فقد جاء إقرار الحكومة اليابانية لميزانية التسليح العسكري بقيمة 58 مليار دولار لينهى بمقتضاه 80 عاما من العقيدة السلمية Pacifism فرضت على اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، مما ينذر بتمزيق السلام واشتعال سباق التسلح في شرق القارة بدرجة غير مسبوقة.

فرماد الحرب العالمية الثانية أجبرت اليابان على التحول من قوة إمبراطورية توسعية إلى دولة تلتزم بالسلام كنهج دستوري. وهوما يعرف بالعقيدة السلمية لليابان. فبموجب المادة التاسعة من الدستور الياباني تعهدت اليابان بالتخلي عن الحرب كحق سيادي للدولة، وعن استخدام القوة أو التهديد بها كوسيلة لحل النزاعات الدولية. وقد أدى اندلاع الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي إلى “إعادة تفسير” النص الدستوري، مما سمح لليابان بإنشاء قوات دفاع ذاتي عام1954. قوات الدفاع الذاتي ليست “جيشاً” بالمعنى القانوني التقليدي، بل مجرد قوة أمنية تخضع لقيود صارمة في التسليح والمهام. إذ يحظر عليها امتلاك أسلحة هجومية عابرة للقارات مثل القاذفات الاستراتيجية أو الصواريخ البالستية طويلة المدى. كما تخضع القوات بالكامل لسيطرة مدنية، فيشغل رئيس الوزراء الياباني منصب القائد الأعلى، ويشرف وزير الدفاع “مدني” على العمليات. وتقتصر مشاركات قوات الدفاع الذاتي الخارجية على مهمات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والخدمات اللوجستية، والإغاثة من الكوارث. وتتشكل الأفرع الرئيسية لتلك القوات من قوات برية تركز على حماية الأراضي اليابانية والعمليات الإغاثية، قوات بحرية تضم مدمرات متطورة وحاملات مروحيات، وقوات جوية تمتلك أساطيل من المقاتلات الحديثة مثل F15 / F35 وأنظمة دفاع جوي متطورة.
مخلب أمريكي
إلا إن الانقلاب الدراماتيكي في توجه اليابان بعد إقرار الموازنة العسكرية الأخيرة يكشف بوضوح رغبة طوكيو في إحياء “النزعة العسكرية”، فالموازنة زادت من إنفاق اليابان العسكري ليصل الى 2% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2027، وتصبح اليابان بذلك ثالث أكبر ميزانية دفاع في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. تحليل مخصصات الموازنة الجديدة يكشف بجلاء خطورة النوايا اليابانية، حيث سيتم تخصيص 1.6 مليار دولار لتطوير منظومة صواريخ فرط صوتية تشمل صواريخ من طراز Block-2 بمدى 3000 كم مما يسمح لليابان بضرب أهداف بعيدة للغاية، وصواريخ T-12 بمدى يصل الى 1000 كم. وستستثمر اليابان ما يتجاوز 6 مليار دولار في “أسلحة الطاقة الموجهة” لمواجهة الصواريخ وأسراب المسيرات تشمل المدفع الكهرومغناطيسي Railgun والذي يطلق قذائف بسرعة 7 ماخ باستخدام الطاقة الكهربائية، وأسلحة التوجيه بالليزر HEL لإسقاط الطائرات بدون طيار، كما ستقوم بإنفاق 3 مليار دولار على مشروع التعاون مع الولايات المتحدة GPI لتطوير صواريخ اعتراضية لإسقاط الصواريخ فرط صوتية. وكذلك إنفاق 650 مليون دولار لتصنيع أسراب المسيرات الجوية والبحرية.
اليابان تواجه أربع مشكلات رئيسية تهدد قدرتها على الإنفاق على تلك الموازنة القياسية، أولها انخفاض قيمة الين أمام الدولار مما يرفع فاتورة الأسلحة المستوردة بنسبة كبيرة، وهو ما سيؤدي بالتبعية الى تضخم في الميزانية دون زيادة حقيقية في عدد الأسلحة. ثانيا: واقع الحال أن اليابان تمتلك أعلى نسبة ديون في العالم المتقدم (أكثر من 250% من ناتجها المحلي)، لذا فإن زيادة الإنفاق العسكري يثير مخاوف من انهيارها ماليا، ثالثا: مع انكماش عدد السكان وارتفاع معدل الشيخوخة، تواجه اليابان تحد حقيقي في تجنيد أفراد للخدمة العسكرية، فاضطرت الحكومة على تخصيص جزء كبير من الميزانية لتحسين الرواتب وتطوير المسيرات لتعويض النقص البشري. أخيرا، ظنت تاكايتشى أن خطابها “الشعبوي” ضد الصين سيحظى بتأييد اليابانيين، إلا أن إعلان الموازنة العسكرية قد لاقى رفضا شعبيا، فشهدت شوارع طوكيو احتجاجات واسعة تحت شعار “الأمان المعيشي أولاً”، حيث يرى جزء كبير من المواطنين أن هذه الأموال يجب أن تتوجه للرعاية الصحية ودعم كبار السن بدلاً من التسليح العسكري.
وفي خلفية التحول الياباني تقف واشنطن، الإدارة الامريكية ترى في اليابان مخلبا يمكن تجهيزه وتحريضه في الصراع مع الصين بالوكالة عنها، إذ يعد التواجد العسكري الأمريكي في اليابان الركيزة الأساسية لاستراتيجية واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو التواجد الأضخم لها خارج حدودها بما يزيد عن 60 ألف جندي من خلال 15 قاعدة عسكرية أمريكية تتمركز في 85 موقعا. لذا فاليابان تمثل “قاعدة أمامية” للولايات المتحدة في مواجهة الصين، كما يمكن ان تكون ورقة ضغط مهمة لواشنطن يسهل التفاوض بها في أي صفقة اقتصادية مع بكين. ومن الملاحظ أنه بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لليابان نوفمبر الماضي ظهرت مباشرة نبرة الخطاب العدوانية تجاه الصين باستغلال “مسألة تايوان” لكشف نوايا طوكيو العسكرية في حال حاولت الصين ضم تايوان إلى البر الرئيسي.
تأثير الدومينو
هذه التطورات العسكرية الأخيرة لليابان دفعت الإقليم الآسيوي للدخول في سباق تسلح غير مسبوق، فبالنسبة إلى كوريا الشمالية صاحبة الردع النووي الأقوى في شرق آسيا، تنظر إلى اليابان الآن كعدو مباشر يمتلك “أنياباً” هجومية، وعقب إعلان طوكيو عن ميزانيتها العسكرية، قامت بيونج يانج بإطلاق عدة صواريخ بالستية باتجاه بحر اليابان كرسالة تهديد مباشرة، كما شنت حملة إعلامية تتهم فيها اليابان بالسعي سراً لامتلاك أسلحة نووية تحت غطاء مفاعلاتها المتطورة، واصفة قوات الدفاع الذاتي اليابانية بأنها أصبحت “قوة غزو” جاهزة للتحرك بمجرد تلقي الضوء الأخضر من واشنطن.
أما كوريا الجنوبية فبالرغم من انها تشترك مع اليابان في حلفها مع الولايات المتحدة، ومع لغة التودد التي خاطبت بها تاكايتشي سيؤول منذ توليها السلطة، رفضت كوريا الجنوبية الدخول في الأزمة الدبلوماسية التي أشعلتها طوكيو تجاه الصين، لكن التهديدات المتزايدة من الجارة الشمالية والتحولات الجيوسياسية في اليابان التي احتلت شبه الجزيرة الكورية لعقود ارتكبت خلالها جرائم إنسانية ضد الكوريين، دفعت سيؤول الى الانخراط هي الأخرى في سباق التسلح، إذ قامت برفع ميزانية الدفاع لعام 2025 بنسبة 8.2% مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى حوالي 47 مليار دولار، وتعهدت سيؤول برفع إنفاقها الدفاعي ليصل إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي لتحقيق أهداف استراتيجية تشمل تطوير المقاتلات الجوية
KF-21 Boramae محلية الصنع وأنظمة الدفاع الصاروخي KMAD الاعتراضية، وضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، الروبوتات العسكرية، والأنظمة المسيرة.
واشنطن لم تكتف بمراقبة اشتعال سباق التسلح في المنطقة، بل سكبت مزيدا من البنزين بإعلانها منح حزمة أسلحة عسكرية إلى تايوان بقيمة 11 مليار دولار في أضخم صفقة مبيعات عسكرية في تاريخ علاقتها مع تايوان. تتضمن الصفقة 8 اتفاقيات منفصلة تغطي أنظمة هجومية ودفاعية متطور تشمل تزويد تايوان بـ 82 راجمة صواريخ من طراز HIMARS، 420 صاروخاً تكتيكياً بعيد المدى، 60 مدفع هاوتزر ذاتي الحركة هو الأحدث في الترسانة الأمريكية، حزمة من المسيرات الانتحارية Loitering Munitions مخصصة لاستهداف الدبابات والسفن، صواريخ مضادة للدروع من طراز Javelin وTOW، إضافة الى برمجيات عسكرية متقدمة، وقطع غيار للمروحيات وأنظمة صواريخ “هاربون” الدفاعية. وبالتوازي مع هذه الحزمة، أعلنت تايوان عزمها رفع ميزانيتها الدفاعية إلى 3% من ناتجها المحلي في 2026، مع خطة للوصول إلى 5% بحلول عام 2030.
الرد الصيني: مهمة العدالة وعقوبات اقتصادية
لم تصمت الصين تجاه سلسلة التطورات المتلاحقة التي تهدد بانهيار الأمن والسلم الإقليمي، الخارجية الصينية اعتبرت تطوير اليابان لقدرات “الضربة المضادة” هو إحياء للنزعة العسكرية اليابانية التي تسببت في كوارث بآسيا قبل 80 عاماً، كما أدانت بكين صفقة الأسلحة الامريكية الى تايوان بشدة، واعتبرتها “لعباً بالنار” وانتهاكاً لسيادتها، وحذرت من أنها ستسرع من وتيرة المواجهة العسكرية في مضيق تايوان.
عسكريا، نفذت قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الصيني نهاية الشهر الماضي مناورات عسكرية واسعة بالذخيرة الحية في خمس مناطق بمضيق تايوان تحت اسم “مهمة العدالة” بمشاركة سلاح الجو والبحرية والقوة الصاروخية، المناورات حاصرت شمال وجنوب تايوان، وقد شملت المناورات تدريبات قتالية للردع والسيطرة المشتركة للقوات وحصار كافة موانئ تايوان البحرية. هذه ليست المرة الأولى التي تجري فيها الصين مناورات عسكرية بالمضيق، فعلى مدار السنوات العشر الماضية أجرت الصين ما يقارب من 20 مناورة لحصار تايوان عسكريا، ولكن مناورات “مهمة العدالة” ليست مجرد استعراضا للقوة بل بروفة لمواجهة عسكرية محتملة.
فالاعتقاد بأن بكين نفذت “مهمة العدالة” انتقاما من صفقة الأسلحة الامريكية لتايوان فحسب هو تحليل قاصر للمشهد، فالمناورات لم تكن رسالة لواشنطن أو تايبيه فقط بل تحذير بالنار موجه لطوكيو مباشرة، فالبيان العسكري للجيش الصيني نص صراحة على أن هذه التدريبات تستهدف “ردع التدخل العسكري الخارجي”. هذه العبارة لم تستخدم قط في أي مناورة سابقة حول تايوان، ويعنى هذا التحول أن جيش التحرير الصيني لا يتدرب على استعادة تايوان فحسب، بل يستعد لقتال من يحاول أن يأتي للتدخل وإقحام نفسه في “مسألة وطنية” للصين.
لم تكتف بكين بالتحذير العسكري، بل شنت حملة عقوبات ثلاثية ضد الولايات المتحدة واليابان وتايوان، حيث فرضت حزمة عقوبات على 20 شركة دفاعية أمريكية من أبرزها شركة بوينج، شملت تجميد كافة الأصول والمنقولات التابعة لهذه الشركات داخل الصين، ومنع أي كيان أو فرد صيني من التعامل معها، العقوبات تضمنت 10 مسؤولين وتنفيذيين أمريكيين، وتم منعهم من دخول الصين وتجميد ممتلكاتهم. كما فرضت بكين طوقا من العقوبات الاقتصادية على اليابان أصدرت بكين “تحذيراً من السفر” إلى اليابان، مما أدى لتعليق الرحلات الجوية السياحية، متسببة في خسارة اليابان لعوائد تُقدر بقيمة 14 مليار دولار. وقامت الصين بتعليق استيراد المأكولات البحرية اليابانية، ما أثر على مئات المصدرين اليابانيين، وفرضت عقوبات على جنرالات بقوات الدفاع الياباني للتآمر مع القوى الانفصالية في تايوان.
صدى العقوبات الصينية أثر على الأسواق العالمية وأسهم الشركات التي طالتها العقوبات، فشهدت البورصات المالية حالة من الاضطراب، لا سيما في قطاعي التكنولوجيا والدفاع. وانخفضت أسهم شركة بوينج الامريكية بنسبة 2.5% لخوف المستثمرين من رد فعل صيني يستهدف طلبيات الطائرات المدنية، حيث تعد الصين سوقاً حيوياً لطائرات “بوينج” التجارية، وتراجعت أسهم شركتي تويوتا وهوندا اليابانيتين بنسبة 4% لخشية المستثمرون من أن تؤدي العقوبات الصينية إلى “حملات مقاطعة شعبية” داخل الصين، وهي أكبر سوق للسيارات اليابانية في العالم. أما شركة TSMC التايوانية -عملاق رقائق الكمبيوتر في العالم -هوت أسهمها بنسبة 5% بسبب “الذعر” من المستثمرين الذين يخشون أن يؤدي الحصار العسكري الصيني إلى تعطل سلاسل إمداد الرقائق إلى العالم.
الصين وإن كانت تتبع استراتيجية “الألم المتبادل”، فهي تعلم أن عقوباتها ستؤذي شركاتها أيضاً، تراهن على أن الشركات اليابانية والأمريكية لن تتحمل خسارة الوصول إلى السوق الصينية أو المواد الخام الصينية لفترة طويلة، كما تدرك بكين أن حزمة الأسلحة الامريكية لتايوان ليست واقعا بعد، فتايوان ستجد صعوبات في استلام الطلبيات بسبب ضغوط الإنتاج في المصانع الامريكية، ومع ذلك تظل “مسألة تايوان” هي أساس المصالح الجوهرية للصين، وأول خط أحمر لا يمكن تجاوزه من قبل أي طرف، فأي تجاوز في هذه المسألة سيواجه ردا حازما من بكين مهما كانت تداعياته.


