رأي

د. فرج بوخروبة يكتب.. الصغار هم حراس القيم السيادية الفعليين

ما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حتى برزت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأعظم في النظام الدولي، مستندة إلى تفوق عسكري غير مسبوق، وهيمنة اقتصادية واسعة، وقدرة سياسية مكّنتها من فرض حضورها في مختلف بقاع العالم. وبمرور الوقت، لم تعد واشنطن تكتفي بدور الدولة المؤثرة، بل تحوّلت إلى لاعب مهيمن، يتدخل في شؤون الدول، ويرسم خرائط النفوذ، ويعيد تشكيل الأنظمة والتحالفات بما يخدم مصالحه الاستراتيجية.

اقرأ أيضا: د. فرج بوخروبة يكتب.. فنزويلا فصلٌ جديد في كتاب الهيمنة

هذا الواقع أسهم في تكريس صورة عالم أحادي القطب، بدا فيه أن الإرادة الأمريكية هي المرجعية العليا، وأن النظام الدولي لا يعمل إلا ضمن الحدود التي تسمح بها واشنطن. وفي ظل هذا المشهد، بدت دول كثيرة، بما فيها قوى كبرى، إما عاجزة عن المواجهة أو غير راغبة فيها، مفضلة الصمت أو المساومة، خشية خسائر اقتصادية أو عزلة سياسية. ومع هذا الاختلال، تراجع دور القانون الدولي، الذي غالبًا ما يُستخدم أداة انتقائية، يُفعَّل حين يتوافق مع مصالح الأقوياء، ويُهمل حين يقف عائقًا أمامها، ليصبح ميزان القوة هو الحاكم الفعلي للعلاقات الدولية.

غير أن هذه الصورة، على ما تبدو عليه من رسوخ، ليست مكتملة ولا نهائية. فخلف مشهد الهيمنة الصلبة، تبرز مفارقة لافتة تتمثل في قدرة دول وقوى صغيرة، محدودة الإمكانات، على تحدي هذه القوة الكبرى وإرباكها. هذه القوى، التي لا تملك ترسانات ضخمة ولا شبكات تحالف واسعة، امتلكت ما هو أبعد من ذلك: الإرادة والجرأة والاستعداد لدفع الثمن دفاعًا عن استقلالها وكرامتها.

غالبًا ما تُوصَف هذه الدول بأنها “مارقة” أو “خارجة عن النظام الدولي”، غير أن هذا الوصف يخفي حقيقة أعمق، وهي أنها دول رفضت الانصياع لمنطق الهيمنة، وامتنعت عن مقايضة سيادتها بالمساعدات أو الحماية، واختارت طريق المواجهة، رغم إدراكها لاختلال موازين القوة. وهي، بذلك، لا تتحدى الولايات المتحدة فحسب، بل تتحدى أيضًا القواعد غير المعلنة التي تحكم النظام الدولي.

تجربة فيتنام تبقى المثال الأبرز على حدود القوة الأمريكية. فرغم التفوق العسكري الهائل، وجدت واشنطن نفسها أمام مقاومة شعبية طويلة النفس، حوّلت الحرب إلى استنزاف سياسي وعسكري وأخلاقي. وانتهى الأمر بانسحاب أمريكي شكّل صدمة داخلية، وترك أثرًا عميقًا في صورة الولايات المتحدة بوصفها قوة لا تُهزم. لم تكن الهزيمة في فيتنام عسكرية فقط، بل كانت هزيمة لفكرة القدرة المطلقة على فرض الإرادة بالقوة.

وفي الصومال، واجهت الولايات المتحدة نموذجًا مختلفًا من التحدي، حيث اصطدمت قواتها بواقع ميداني معقد، ومقاومة غير تقليدية أربكت حساباتها، وأظهرت أن التفوق التكنولوجي لا يضمن السيطرة على الأرض. وقد مثّل الانسحاب الأمريكي من هناك إشارة واضحة إلى أن القوة العظمى ليست محصنة من الخسائر حين تواجه بيئات عدائية لا تخضع لمنطق الحرب التقليدية.

أما في السياق المعاصر، فيبرز اليمن نموذجًا إضافيًا، حيث تمكنت قوى محلية، رغم محدودية الإمكانات، من إرباك حسابات القوى الكبرى، وكشف هشاشة بعض الاستراتيجيات العسكرية والسياسية. ولا تكمن أهمية هذه الحالة في تحقيق نصر نهائي بالمعايير التقليدية، بل في قدرتها على تعطيل مشاريع الهيمنة، وفرض معادلات جديدة، تُجبر القوى الكبرى على إعادة النظر في خياراتها.

المفارقة أن الدول الكبرى، التي تمتلك أدوات القوة والتأثير، غالبًا ما تتردد في مواجهة واشنطن مباشرة، بسبب تشابك مصالحها الاقتصادية والسياسية معها. فهي أسيرة حسابات معقدة، تجعلها أقل استعدادًا للمغامرة. في المقابل، لا تملك الدول الصغيرة سوى استقلالها وكرامتها، وهو ما يجعلها أكثر جرأة، وأكثر استعدادًا للمواجهة، وأقل خضوعًا لمنطق المساومات.

هذه الجرأة تكشف هشاشة الهيمنة الأمريكية، وتؤكد أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي لضمان السيطرة الكاملة. فالمواجهة القائمة على الدفاع عن الوجود والهوية لا تخضع لمعادلات الربح والخسارة التقليدية، وهو ما يجعلها أكثر إرباكًا للقوى الكبرى، وأكثر صعوبة في الاحتواء.

التاريخ، في هذا السياق، يقدّم درسًا واضحًا: الهيمنة ليست قدرًا أبديًا، والقوة لا تدوم إلى الأبد. وحين عجز الكبار عن كبح النفوذ الأمريكي، جاء الصغار ليؤكدوا أن النظام الدولي قابل للاهتزاز، وأن السطوة قد تتراجع أمام إرادة صلبة وصبر طويل.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نشهد يومًا هزيمة أمريكية واضحة على يد قوى صغيرة بعدما عجزت القوى الكبرى؟ قد لا تكون الإجابة قريبة أو سهلة، لكنها تظل ممكنة. فالتاريخ يثبت أن الإمبراطوريات لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل بفعل مقاومات تبدو في ظاهرها محدودة، لكنها في جوهرها عميقة التأثير.

بهذا المعنى، فإن الهيمنة الأمريكية ليست قدرًا محتومًا، بل مرحلة تاريخية قابلة للتراجع. وقد يكون الصغار، بإرادتهم ورفضهم، أكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل النظام الدولي من الكبار الذين اكتفوا بالصمت أو التواطؤ. ولعل الدرس الأهم أن التاريخ لا يُكتب بالمدافع وحدها، بل يُكتب أيضًا بإرادة الشعوب، وبإصرار من يملكون الشجاعة ليقولوا “لا” في وجه الطغيان، مهما كان الثمن.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى