تقدير موقف

الشرق الأوسط والسياسات الأمريكية الإسرائيلية وصراع النفوذ الدولي

قراءة سياسية متكاملة للشرق الأوسط

إعداد/ إدريس احميد (باحث وإعلامي ليبي)

في ظل المعطيات الجديدة التي تشهدها المنطقة، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل يعملان على إعادة رسم موازين القوى الإقليمية، بما قد يعيد توزيع النفوذ ويضع الدول العربية الكبرى أمام تحديات مباشرة. السعودية ومصر والإمارات، بوصفها ركائز الأمن والاستقرار في المنطقة، يجب أن تلعب دورًا فاعلًا في مواجهة هذه التحركات، وصياغة استراتيجية عربية واضحة تحمي مصالحها وتحد من أي تأثيرات خارجية تهدد أمن المنطقة واستقرارها السياسي والاقتصادي.
إيران، من جانبها، تواجه ضغوطًا متزايدة تجعلها محور الاهتمام الأمريكي المقبل، مع احتمال تراجع نفوذها أو إنهاء دورها في المنطقة، ما يزيد من أهمية إعادة تفعيل الدور العربي وتطوير آليات التعاون بين السعودية ومصر وتركيا والإمارات لمواجهة المخاطر الأمريكية والإسرائيلية.
لفهم الموقف العربي الراهن، لا بد من النظر إلى تراكمات الصراعات التاريخية، بدءًا بالقضية الفلسطينية والنزاع المستمر، مرورًا بحروب الخليج والحرب العراقية الإيرانية التي أعادت رسم التحالفات العربية وأسهمت في تعزيز النفوذ الأمريكي، وصولًا إلى الربيع العربي وتداعياته على الاستقرار الإقليمي. كما أن سقوط الأسد في سوريا أعاد رسم التوازنات الداخلية، مع استمرار التدخل الأمريكي والتركي والإسرائيلي، وما تبعه من خلافات إقليمية، أبرزها التوتر السعودي-الإيراني في لبنان.
الولايات المتحدة تعتمد استراتيجية إدارة الأزمات أكثر من حلها، مستعينة بإسرائيل كذراع تنفيذية لمشاريعها في المنطقة. الدور الأمريكي-الإسرائيلي واضح في محاولات التحكم بالملفات الإقليمية الكبرى، بما في ذلك سوريا ولبنان وفلسطين وليبيا، ومحاولات التأثير على موازين القوى في الخليج وشرق المتوسط. التنافس الأمريكي مع الصين اقتصاديًا ومع روسيا سياسيًا وعسكريًا يجعل الشرق الأوسط ساحة اختبار رئيسية لتجريب النفوذ الدولي، مع متابعة دقيقة للتحركات الروسية والصينية.
على الصعيد العربي، تلعب السعودية ومصر والإمارات دورًا محوريًا في حماية الأمن القومي، تأمين الممرات البحرية، مواجهة التمدد الإقليمي، وصياغة سياسات فعالة تضمن مصالح المنطقة السياسية والاقتصادية. هناك إمكانية لتحالف سعودي-مصري-تركي لتعزيز الاستقرار الإقليمي وخلق قوة عربية مشتركة قادرة على مواجهة المخاطر الأمريكية والإسرائيلية، وصياغة استراتيجية عربية متكاملة لحماية مصالح المنطقة.
إيران تواجه ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية، مع تراجع نفوذها في اليمن، واستمرار الخلاف السعودي-الإيراني في لبنان، مما يحد من قدرتها على تنفيذ مشاريع توسعية مباشرة.

وفي المقابل، تشهد ليبيا صراع نفوذ بين تركيا وروسيا والغرب، ولا  يوجد سوى المشروع الوطني الوحيد المتاح هو دور القيادة العامة للجيش الليبي، الذي يحتاج إلى دعم دولي لتعزيز استقراره وحماية الدولة والمواطن، بينما يواجه السودان واليمن صراعات داخلية بمؤثرات خارجية.

 

سوريا، بعد سقوط الأسد، لا تشهد وجودًا إيرانيًا مباشرًا، في حين تستمر روسيا في الحفاظ على تواجدها العسكري والسياسي، مع تدخل أمريكي وتركي وإسرائيلي لإعادة رسم التوازنات، بينما تعمل إسرائيل على تثبيت نفوذها وإعادة تشكيل موازين القوى.
الصين تعزز نفوذها الاقتصادي والاستثماري في المنطقة، بينما روسيا تواجه تحديات كبيرة بعد الحرب في أوكرانيا، مع ضعف الموارد والدعم الغربي القوي لأوكرانيا، ما يجعل الشرق الأوسط ساحة حيوية للصراع بين القوى الدولية. وتخشى واشنطن تحول المنطقة من مجال نفوذ أمريكي مطلق إلى ساحة تعدد أقطاب، فتسارع في تثبيت مواقعها وتدفع بإسرائيل للواجهة.
مع تصاعد هذه التحديات، لابد من إعادة صياغة موقف الدول العربية لمواجهة المخاطر الإقليمية والدولية، وتعزيز دور السعودية ومصر والإمارات، مع إمكانية التحالف مع تركيا، كركائز أساسية لاستقرار المنطقة وللتصدي للنفوذ الأمريكي-الإسرائيلي. الشرق الأوسط أمام مرحلة حرجة، وشعوب غالبًا غائبة عن القرار السياسي. بدلاً من الانشغال بالاتهامات، يجب تبني رؤية عربية جديدة، ونسيان الماضي، واستثمار فرص التعاون لحماية مصالح المنطقة المشتركة. هذه لحظة مفصلية… إما أن نكون فاعلين، أو نظل مجرد ساحة لصراع الآخرين.
الخاتمة: نحو موقف عربي مشترك
في مواجهة التوجهات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، يبدو أن الدول العربية الكبرى، وعلى رأسها السعودية ومصر والإمارات، إلى جانب تركيا، أمام فرصة حقيقية لتنسيق موقف مشترك يضمن حماية مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية. هذا التحالف العربي المحتمل يمكن أن يشكل قوة فاعلة لمواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، وخلق توازن إقليمي جديد قادر على الدفاع عن مصالح المنطقة.
الدور الأوروبي، رغم أهميته التاريخية، يبقى محدودًا في ظل سياسة “أمريكا أولًا”، مما يضع الدول العربية أمام مسؤولية أكبر لتأمين مصالحها وحماية استقرار المنطقة دون الاعتماد الكامل على دعم خارجي. التحدي يكمن في صياغة استراتيجية عربية مشتركة تتعامل بذكاء مع هذه المعطيات الدولية، وتضع مصلحة الأمة العربية فوق أي اعتبارات خارجية.
في ليبيا، يمثل الجيش الليبي المشروع الوطني الوحيد القادر على حماية الدولة وتعزيز استقرارها، لكن نجاحه مرتبط بالحصول على دعم دولي متوازن يضمن استقلال القرار الوطني.
هذا الواقع يعكس أن المنطقة والعالم أمام مرحلة سياسية حاسمة، قد يشهد خلالها إعادة توزيع للنفوذ، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على المستوى العالمي، مما يجعل الموقف العربي المشترك ضرورة استراتيجية، لا خيارًا ثانويًا. إن النجاح في مواجهة هذه التحديات سيضع المنطقة في موقع قوة يؤهلها للعب دور مؤثر في صياغة مستقبلها ومستقبل العلاقات الدولية.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى