أحمد عرابي يكتب.. الحوار المهيكل في مواجهة الخلافات بين الفرقاء في ليبيا
الكاتب والباحث السياسي في الشأن الليبي

إن خلافات جديدة للفرقاء السياسيين قد تهدد مصير الحوار المهيكل لبعثة الأمم المتحدة للدعم لدى ليبيا فبينما تتحفظ أطراف ليبية على آلية الحوار المهيكل غير الملزم والمطروح من قبل البعثة الأممية لدى ليبيا، قد زادت وتيرة الخلافات والانقسامات بين المتصدرين للمشهد السياسي في البلاد عبر صدور قرارات ومواقف غير توافقية تزيد بدورها من تعقيد المشهد في ليبيا، من بين ذلك ما يثيره قرار تفعيل المحكمة الدستورية من قبل البرلمان وانعكاساته على وحدة القضاء الليبي، يأتي هذا مع تمسك حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة بضرورة الذهاب مباشرةً إلى الانتخابات، ثم تأكيد القائد العام للقوات المسلحة الليبية المشير خليفة حفتر لعدد من شيوخ القبائل والأعيان رفضه لما يصفه بالحلول الخارجية مؤخراً.
وفي أوّل ردة فعل، أصدرت الحكومة الليبية والمكلفة من قبل مجلس النواب برئاسة أسامة حماد بياناً حاداً، اعتبرت فيه أنّ البعثة قد تجاوزت المرحلتَين الأولى والثانية من خريطة الطريق، ودخلت مباشرة في المرحلة الثالثة وهي المتعلقة بالحوار المهيكل، دون توضيح مصير الخطوات السابقة الخاصة بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة الخلافات حول القوانين الانتخابية التي أشارت لها من قبل، فيما قال حماد إنّ ذلك قد أدى إلى ضياع التفاؤل النسبي بنجاح خارطة الطريق ووأدها قبل أن تبدأ أولى خطواتها، وقد انتقد قيام البعثة بمخاطبة الجامعات والبلديات مباشرة دون تنسيق مع وزارة الخارجية، معتبراً ذلك تعدياً على السيادة الوطنية ومخالفة لأحكام الاتفاقيات الدولية بشأن العلاقات الدبلوماسية. مضيفاً أن ملف المصالحة الوطنية هو شأن داخلي بحت ولا يجوز أن يخضع لأي وصاية أو تدخل خارجي، مؤكداً أن ولاية البعثة محددة بقرارات مجلس الأمن ولا تتجاوز الدعم الفني والاستشاري على هذا النحو.
إن تبادل مجلس النواب الليبية والحكومة الليبية المكلفة من قبله مع المجلس الرئاسي في طرابلس البيانات بشأن صلاحيات إصدار القرارات، وسط اتهامات بافتعال أزمات قضائية ودستورية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة الأفق في الوقت الحالي يعد إلقاء حجر في المياه الراكدة ، ففي رد من رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح على رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي دافع عن اختصاص البرلمان في تنظيم شؤون القضاء موضحاً في بيان له أن تشكيل المحكمة الدستورية لا يعد انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات، معتبراً ترحيب المنفي بأحكام المحكمة العليا قد يعكس تجاوزاً واضحاً لاختصاصات المجلس الرئاسي، وأنه يتعامل كخصم لمجلس النواب، ويسعى إلى التعدي على صلاحياته المخول بها وحده.
كما أن رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد أوضح أن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس ملغاة قانوناً، وأن ما يصدر عنها هو والعدم سواء مشدداً على أن كل ما يعلنه المجلس الرئاسي من بيانات أو قرارات لا أثر قانونياً له، نظراً لانتهاء ولايته وفق اتفاق حوار جنيف السياسي .
البعثة الأممية دخلت على خط الخلافات الحالية حيث بحثت نائبة المبعوث الأممي “ستيفاني خوري” خلال لقائها الأخير في العاصمة طرابلس مع رئيس المجلس الأعلى للدولة “محمد تكالة” مسألة تفعيل المحكمة الدستورية، وما قد يترتب عليها من تداعيات تمس وحدة القضاء الليبي، إلى جانب الدعم الأممي للتفاهمات الجارية بين مجلسي النواب والدولة بشأن المناصب السيادية، والتأكيد على ضرورة عدم انفراد أي جهة بإصدار القوانين أو فرض سياسة الأمر الواقع للطرفين.
كما في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، قالت المبعوثة الأممية “هانا تيتيه” إنه يوجد في ليبيا الآن يوجد محكمتان دستوريتان تعملان في شرق وغرب البلاد ، في إشارة منها إلى استمرار المحكمة العليا في طرابلس مع تفعيل المحكمة الدستورية العليا في مدينة بنغازي بالشرق الليبي.
وفي هذه الأجواء يأتي سعي رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا للإعداد لانعقاد الحوار المهيكل الذي تضمنته خريطة الطريق والتي سبق أن طرحتها في إحاطتها أمام مجلس الأمن، وسط خلافات فرقاء الأزمة التي قد تشكل عائقاً كبيراً لإنجاز الحوار بصيغته المثالية والمتوقعة في ظل الخلافات الحادة بين الفرقاء السياسيين في البلاد، معتبراً أن فشل البعثة المستمر في خططها يعد سببه هو عجز المجتمع الدولي عن فرض التزامات على كل الأطراف التي رسخت أقدامها في أرضية الصراع الحالي والاقتصاد السياسي للأزمة ، وهو ما سيجعل الحوار المهيكل مجرد حلقة جديدة من التوصيات غير الملزمة لكل الأطراف والتي تعيد إنتاج الجمود السياسي في ذاته من جديد للواقع الليبي .
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



