تقدير موقف

أفريقيا في عام مُنقضٍ… ما بين الاختبارات القاسية وإعادة تعريف المستقبل” 

الحصاد الأفريقي لعام 2025»

رامي زهدي – نائب رئيس مركز “العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية”

لم يكن عام 2025 مجرد رقم في تسلسل السنوات الأفريقية، بل كان عامًا كشف حقيقة التحديات التي تواجه القارة، وأبرز نقاط القوة والضعف في بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كان عامًا امتزج فيه الواقع بالصراعات، والفرص بالمخاطر، حيث تتقاطع الأزمات مع النجاحات المحدودة، ويصبح كل حدث مؤشرًا لقياس قدرة الدول والنخب على التحمل والصمود.

أفريقيا في هذا العام بدت كأنها تمشي على حافة دقيقة من التاريخ، حيث لا يسمح الواقع بالقراءات السطحية، وتفرض الأحداث نفسها على كل مستويات التفكير الاستراتيجي.

سياسيًا، ظل العام مليئًا بالتحديات المعقدة والمتشابكة، فالحروب والصراعات المسلحة كانت السمة الغالبة في عدة مناطق، السودان استمر في عامه الثالث من الصراع المسلح، وسط تقديرات أممية تفيد بنزوح ما يزيد على 9 ملايين شخص، وانكماش اقتصادي تجاوز 35 % مقارنة بما قبل الحرب، مع انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة والخدمات الأساسية، الأزمة السودانية كشفت عن حدود القدرة الإقليمية على التدخل، وفضحت فجوة بين الشعارات الأفريقية حول الحلول الذاتية وبين الواقع العملي على الأرض.

في منطقة الساحل، شهدت دول مثل مالي، بوركينا فاسو، والنيجر، إعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية؛ الانسحاب التدريجي من الأطر التقليدية للتعاون مع القوى الغربية، والسعي لفتح قنوات جديدة مع شركاء دوليين، أظهرا تحولًا في الرؤية الاستراتيجية، لكنهما جاءا في سياق هش، حيث لم تحسن هذه الدول من مؤشرات النمو التي تراوحت بين 3 و3.5 %، وارتفع التضخم إلى مستويات بين 15 و18 %، في ظل استمرار تهديدات الجماعات المسلحة وانعدام الأمن الغذائي.

شرق أفريقيا لم يكن أكثر استقرارًا، فإثيوبيا واجهت ضغوطًا داخلية شديدة بعد الصراعات المتكررة التي أرهقت الاقتصاد وخلخلت النسيج الاجتماعي، والدين الخارجي تجاوز 30 مليار دولار مع تراجع القدرات على السداد، وظهرت الحاجة الملحة لإعادة هيكلة الاقتصاد، مع تزايد الضغط الدولي لتحسين سياسات الدعم وضبط الإنفاق العام.

الصومال حقق بعض التقدم في مواجهة التنظيمات الإرهابية، لكنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة في تثبيت الحكم المركزي وتعزيز سيادة الدولة، في ظل بيئة إقليمية متشابكة.

في غرب أفريقيا، كانت ليبيا ولا تزال محور قلق مستمرًا؛ حيث النزاعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، وتعدد الميليشيات المسلحة، كل ذلك جعل الدولة في وضع هش، مع اقتصادات ضعيفة واعتماد كبير على الدعم الخارجي، عام 2025 شهد محاولات لحل الصراعات، لكن النتائج كانت محدودة، والعملية السياسية لا تزال تواجه عقبات جذرية.

اقتصاديًا، سجلت أفريقيا نموًا متوسطًا قدره 3.8 %، لكنه لم يكن كافيًا لمواجهة الزيادة السكانية السنوية التي تصل إلى 2.5 %، مما يعني أن ملايين الأفارقة لم يشهدوا تحسنًا ملموسًا في مستوى حياتهم، أكثر من 430 مليون شخص ظلوا يعيشون تحت خط الفقر، فيما ارتفعت معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب الذين يشكلون أكثر من 60 % من سكان القارة، والدين العام الأفريقي تجاوز 1.8 تريليون دولار، ما قيد قدرة الحكومات على الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

التجارة البينية الأفريقية لم تحقق الطفرة المنشودة، نسبة التجارة الداخلية لم تتجاوز من 16 إلى 18 %، ما يعكس فجوة بين الطموح والتنفيذ، وتشمل التحديات ضعف البنية التحتية، وقيود النقل، والاختلافات في السياسات الاقتصادية والجمركية. ومع ذلك، برز بعض النجاحات في قطاعات الأغذية، والدواء، والزراعة، مع وجود مؤشرات إيجابية على تطوير سلاسل القيمة.

في مجال الطاقة، سجلت أفريقيا تقدمًا ملحوظًا، حيث تجاوزت الاستثمارات في الطاقة المتجددة 60 مليار دولار، مع توسع مشاريع الربط الكهربائي، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، خصوصًا في شمال وشرق القارة.

دور مصر كان بارزًا في هذا المجال، من خلال دعم مشروعات البنية التحتية الإقليمية، والربط اللوجيستي، ونقل الخبرات الفنية والإدارية، مما عزز موقعها كشريك تنموي استراتيجي.

الثقافة والمجتمع لعبا دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الأفريقية لعام 2025، وواصلت القارة الشابة التعبير عن نفسها من خلال الفنون، والموسيقى، والسينما، والأدب، مع اختراق عالمي غير مسبوق للسرديات الأفريقية، والفجوات التعليمية والصحية بقيت كبيرة، حيث هناك نحو 100 مليون طفل خارج منظومة التعليم، ونقص الكوادر الطبية واضح في معظم الدول، خصوصًا تلك التي تواجه نزاعات طويلة الأمد.

رياضيًا، حافظت كرة القدم على دورها كأداة للقوة الناعمة، حيث شكلت البطولات القارية والمشاركة في المنافسات الدولية متنفسًا للشعوب، وأداة لإعادة إنتاج الثقة والاعتزاز، والاستثمار في الأكاديميات والبنية التحتية الرياضية شهد توسعًا ملحوظًا، مع إدراك متزايد لدورها الاقتصادي والاجتماعي، وليس فقط الترفيهي.

التحولات الاجتماعية والسياسية في أفريقيا لعام 2025 أعادت التأكيد على أهمية الإدارة الرشيدة، والحكم الرشيد، وسيادة القانون كأساس للاستقرار والتنمية، وكانت النخب الأفريقية أمام تحديات كبيرة لتحويل الفرص الاقتصادية إلى تنمية حقيقية، ولضمان الأمن والسيادة الوطنية في ظل الضغوط الإقليمية والدولية.

الدور المصري كان حاسمًا في استقرار بعض الملفات الإقليمية، من خلال مبادرات دعم البنية التحتية، ومشروعات الطاقة، والتجارة العابرة للحدود، إضافة إلى الدور الدبلوماسي الذي أسهم في تحريك ملفات السلام، والمصالحة الإقليمية، ودعم جهود التنمية المستدامة.

عام 2025 أظهر أن القوة الأفريقية لا تقتصر على الموارد الطبيعية أو البشرية؛ بل تتجسد في القدرة على إدارة الصراعات، وتعزيز التكامل، وتحويل الشراكات الدولية إلى أدوات للنمو والتنمية.

في المحصلة، كان عام 2025 مرآة حقيقية لأفريقيا، تعكس هشاشة الدول في بعض المناطق، وعمق الأفكار والمبادرات في مناطق أخرى، التحدي لم يكن في تشخيص المشكلات؛ بل في القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى، وبناء مؤسسات قوية، وتحويل الأزمات إلى فرص.

أفريقيا تمتلك كل مقومات النهوض؛ من الموارد الطبيعية إلى الثروة البشرية، والموقع الجغرافي المتميز، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة حقيقية يظل رهنًا بالإرادة السياسية، والاستراتيجية الشاملة، والقدرة على ترسيخ الدولة، وتعميق التكامل الإقليمي.

عام 2025 كان عام الصراعات والتحديات، لكنه أيضًا عام الفرص؛ النموذجية والمحتملة، وعام الدروس القاسية التي لا يمكن تجاهلها.

المستقبل الأفريقي سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الدول والقادة على امتلاك الرؤية، واستشراف المخاطر، وخلق ديناميات جديدة للتنمية والاستقرار، بعيدًا عن ردود الفعل التقليدية.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى