رأي

 أشرف عثمان يكتب.. بيوت الشباب… كنز وطني تحصنه الدولة برؤية ووعى وتهدره الاجتهادات المحلية

الأمين العام للاتحاد العربي لبيوت الشباب ورئيس جمعية بيوت الشباب المصرية

في مسيرة بناء الإنسان، تتقدّم بعض المؤسسات لتصبح معيارًا لجدية الدولة في الاستثمار في وعي شبابها، وبيوت الشباب واحدة من تلك المؤسسات التي رسّخت حضورها منذ تأسيسها عام 1954، وامتدت رسالتها اليوم عبر شبكة دولية تضم أكثر من 86 دولة حول العالم.

ولم يكن هذا الامتداد ليصمد لولا أن الدولة المصرية — بقيادتها السياسية — قد أدركت مبكرًا قيمة هذه المؤسسة، فحصّنتها تشريعيًا فجاءت هدية الرئيس عبد الفتاح السيسى للشباب المصرى فى عام أطلق عليه عام الشباب المصرى بإصدار سيادته للقانون رقم 7 لسنة 2020 الذي قرر تخصيص أراضي الهيئات الشبابية ومنها بيوت الشباب بالمجان حمايةً لها، وحفظاً لحق الأجيال القادمة، وتأكيدًا على أن هذه المنشآت جزء أصيل من مشروع بناء الإنسان.

لكن… وبرغم وضوح هذه الرؤية، تظهر أحيانًا في بعض المستويات الثانية اجتهادات لا تمت بصلة لفلسفة وجود بيوت الشباب؛ اجتهادات تصدر من مسؤولين يتحدثون بثقة، ويتفلسفون أمام الكاميرات والمكاتب، وكأنهم خبراء في بيوت الشباب منذ نشأتها… بينما الحقيقة أن كثيرًا منهم لا يدرك أصلًا عالمية هذه المؤسسة أو مكانتها الممتدة منذ عام 1954.

وهنا يأتي قصف الجبهة الراقي:

إن من يتعامل مع مؤسسة دولية بهذا الحجم وكأنها “ملف إداري عادي”، يشبه تمامًا من ينظر إلى السماء فيراها مجرد لون أزرق… لا نافذة على الكون، وكمن يخلط بين الأفق والنافذة… كلاهما يسمح بدخول الضوء، لكن أحدهما يفتح للعالم، والآخر يحبس الرؤية داخل إطار ضيق

أما بعض المحافظين، فتظهر لديهم — أحيانًا — نظرة تعتبر بيوت الشباب “مشروعًا يمكن تطويره والتربح منه على حساب رسالة وأهداف بيوت الشباب، متجاهلين أن هذا يتعارض مع القانون، ومع فلسفة وجود هذه المؤسسات، ومع رؤية الرئاسة لها بوصفها بنية أساسية لصناعة الوعي والانتماء، لا مجرد أصل يُعاد تشغيله أو تسعيره.

وبرغم أن جمعية بيوت الشباب مؤسسة غير هادفة للربح وفقًا للقرارات الوزارية واللوائح المنظمة، إلا أنها — وبشهادة ميزانياتها — تغطي كامل مصروفاتها ذاتيًا دون اللجوء إلى دعم حكومي، بل وتقدّم خدمات إقامة ميسّرة لشباب بسطاء وأسر مغتربة لا تملك دفع فواتير الإقامة الاستثمارية.

ولكن المعضلة ليست في الدولة… ولا في الصف الأول المسؤول عن السياسات العامة — فهؤلاء يدركون قيمة بيوت الشباب ويدعمون رسالتها — بل في بعض المستويات الدنيا من الجهاز التنفيذي التي تُعامل القرار الإداري وكأنه سلطة مستقلة، وتُعامل الأرض وكأنها أهم من الإنسان الذي خُلقت لخدمته.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى آلية وطنية واضحة تضمن اتساق تطبيق رؤية الدولة عبر جميع المستويات التنفيذية، وتمنع الاجتهادات الفردية التي قد تُرهق مؤسسة تربوية ذات امتداد دولي، وتحمّلها ما لا يناسب طبيعتها أو رسالتها.

فبيوت الشباب ليست “أرضًا فضاء” في دفاتر المحليات، بل جسر يربط مصر بالعالم، ومنصة تُصدّر قيم الانتماء والانفتاح الثقافي، ومؤسسة تنتمي إلى مشروع الدولة لبناء الإنسان قبل أي شيء.

ومصر — التي تبني مدنًا جديدة وتفتح آفاقًا واسعة — لن تسمح بأن تضيع قيمة تربوية وثقافية بهذا الحجم بسبب ضيق رؤية أو سوء تقدير من مستويات ليست صانعة للسياسة، بل منفذة لها.

وستظل بيوت الشباب — ما بقيت الدولة مؤمنة بالشباب — منارة تصنع الإنسان… وتُثري الوطن.
وللحديث بقية،،،

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى