أشرف عثمان يكتب.. بيوت الشباب حين تُحاصر الرؤية الرئاسية باجتهادات محلية
الكاتب رئيس جمعية بيوت الشباب المصرية

ليست الأزمة في رؤية الدولة ولا في توجيهات القيادة السياسية، فالدولة وضعت الشباب في مقدمة أولوياتها، واعتبرت الاستثمار في الإنسان أهم وأبقى من أي استثمار مادي.
لكن المعضلة تبدأ حين تتوقف هذه الرؤية عند حدود المكاتب التنفيذية، فتتعثر الفكرة العظيمة بسبب اجتهادات محلية تظن أنها تفهم “المصلحة العامة” أكثر من صانع القرار نفسه.
فبيوت الشباب ليست مجرد مبانٍ لإقامة الزائرين، بل مؤسسات وطنية وثقافية تُخرّج أجيالًا تفكر وتبتكر وتتعلم معنى الانتماء والالتزام والمسئولية.
ومع ذلك، نجد في بعض المحافظات من يُجمّد تخصيصاتها أو يطالبها بمصالحات مالية فلكية، وكأن دعم الشباب جريمة تحتاج إلى تصالح!
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: حين تتحول رسالة الدولة في تمكين الشباب إلى معاملة محاسبية تبحث عن “التحصيل”، لا عن “التنمية”.
إن فلسفة الدولة الحديثة واضحة وضوح الشمس:
التخصيص المجاني لبيوت الشباب ليس منحة ولا تفضّلًا، بل استثمار في الإنسان وحماية لمستقبل الوطن.
لكن البعض ما زال يخلط بين الإدارة والتنمية، فيقيس قيمة الفكر بعدد الأمتار، ويرى في الأرض رأس مال، وينسى أن أعظم استثمار على وجه الأرض هو في عقول أبنائها.
ولعل أشد ما يستحق الوقوف عنده، أن من يحصر بيوت الشباب في حسابات الجنيه والمتر، قد أساء تقدير معناها قبل أن يخطئ في حسابها.
فهي ليست مشروعات ربحية، بل منارات ثقافية ووطنية تحمل رسالة وهدفًا أسمى بكثير من المادة؛ رسالة تبني الوعي وتُعيد تعريف الوطنية في عقول الأجيال.
وإن كان البعض لا يرى ذلك، فليُدرك أن فقر الفكر أخطر على الدولة من أي عجز في الموازنة — وهذه هي الجبهة التي يجب أن تُقصف أولًا.
ورغم كل هذه التحديات، فإن معالي وزير الشباب والرياضة لا يدّخر جهدًا في دعم الحركة ومتابعة ملفاتها والسعي الدؤوب لحل مشكلاتها.
لكن — وكما يُقال — اليد لا تُصفّق وحدها.
فالتناغم المؤسسي بين الوزارة والمحافظات هو مفتاح النجاح الحقيقي، لا مجرد تبادل المكاتبات واللجان.
أما الإعلام، فغالب اهتمامه لا يزال موجّهًا نحو الفن والرياضة والنجوم، بينما تتوارى خلف الأضواء مبادرات الشباب ونماذجهم المشرفة.
قلة قليلة من الإعلاميين فقط ما زالوا يرون في بيوت الشباب قصة وطن وليست مادة خبرية عابرة.
ومن هنا، فإن الإصلاح الثقافي والإعلامي لا يقل أهمية عن الإصلاح الإداري، فالتنمية تبدأ من الصورة التي نُقدّم بها أنفسنا للعالم ولشبابنا.
فالعالم اليوم لا يقيس مكانة الدول بمشروعاتها الخرسانية، بل بقدرتها على صناعة الإنسان القادر على الإبداع والانتماء.
وما يحدث أحيانًا من تجاهل أو تعطيل لبيوت الشباب لا يمكن أن نراه في مؤسسات تملك نفوذًا وضوءًا إعلاميًا، رغم أن رسالة بيوت الشباب أعمق وأشرف وأبقى.
لقد آن الأوان لإعادة صياغة الإطار التشريعي والتنفيذي المنظم لعمل بيوت الشباب، بما يضمن حمايتها واستقلالها ودعمها، وإعادة الاعتبار لفلسفتها الأصلية:
أن بناء الإنسان هو جوهر بقاء الدولة واستدامة قوتها.
فبيوت الشباب ليست ملفات على مكاتب المحافظين، بل مدارس وطنية تُعلّم قيم الانتماء وتُجسّد فكر الدولة في الميدان.
ومن لا يرى فيها قيمة استراتيجية، فربما آن له أن يُعيد النظر في تعريفه للمصلحة العامة، قبل أن يُعيد النظر في تعريفه للوطن..
وللحديث بقية..
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



