رأي

أحمد أنور ي يكتب.. جرينلاند تُجمدُ دافوس،والاقتصادَ العالمي!

الكاتب إعلامى وباحث فى الشؤون الدولية 

فى سويسرا وفى ظل الثلوج كان من المفترض أن يحتفل “منتدى دافوس 2026” بحقبة جديدة من الذكاء الاصطناعي والنمو الأخضر لكن “رياح القطب الشمالي” شديدة البرودة من جزيرة جرينلاند هبت لتغير المسار بالكامل ولتعصف بالجميع.

قمة هذا العام ليست ككل القمم،فهى تشهد مواجهة هي الأعنف من نوعها بين البيت الأبيض والقارة العجوز ومحورها..جزيرة جرينلاند الدنماركية.

قمة الحوار صارت “ساحة مواجهة”

دخل الرئيس الأمريكى دونالد ترمب إلى دافوس 2026 وفي جعبته “قضايا اقتصادية” لم يعهدها المنتدى من قبل. لم يعد الحديث عن “التعاون العالمي” سوى صدى بعيد حيث تسيطر على الأجواء تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية انتقامية ضد الدول التي تعارض طموحاته في السيطرة على جزيرة جرينلاند،وعلى رأسها الدنمارك وفرنسا وألمانيا،والدافع الأمريكى فى ذلك أزمة ديون خانقة ومستفحلة استلزمت خفض نفقات وترشيدًا لم تره الولايات المتحدة الأمريكية من قبل ناهيك عن طرد مهاجرين وانسحاب واسع النطاق من منظمات دولية كبرى تراها واشنطن عبءً غير مفيد لها.

بينما ترد أوروبا بالمثل على اعتبار أن التحالف بين ضفتي الأطلسي بدأ فى الذوبان،وأن التبعية التاريخية آن الأوان لإنهائها.

بالنسبة لترمب فإن جرينلاند ليست مجرد مساحة جليدية أو جزيرة نائية، بل هي “عقار استراتيجي” ومنجم للثروات الطبيعية يراه ضرورياً للأمن القومي الأمريكي لمواجهة نفوذ الصين وروسيا في القطب الشمالي. أما بالنسبة لأوروبا، فالأمر يتجاوز كونه “صفقة عقارية”؛ إنه اختبار لسيادتها وتضامن واتحاد دولها،بل وتماسك حلف الناتو.

أوروبا تلوح بسلاح “الإكراه”

داخل قاعات الاجتماعات وفي الفنادق الفاخرة..لم يعد القادة الأوروبيون يكتفون ببيانات القلق. فقد تسربت أنباء من داخل الوفد الأوروبي بقيادة “أورسولا فون دير لاين” و”إيمانويل ماكرون” عن نية الاتحاد تفعيل “أداة مكافحة الإكراه” (Anti-Coercion Instrument).

هذا السلاح القانوني يسمح لأوروبا بالرد الفوري على أي ضغوط اقتصادية أمريكية بفرض عقوبات مضادة تستهدف قطاعات حيوية في الولايات المتحدة، مما يضع العالم على شفا “حرب تجارية عابرة للأطلسي” قد تؤدي إلى انكماش اقتصادي عالمي غير مسبوق.

ما وراء الصراع: الجغرافيا والشخصنة

ما يضفي على هذه القمة طابعاً درامياً هو “الشخصنة” التي دخلت على خط الأزمة. فالتسريبات التي ربطت بين تصعيد ترمب في ملف جرينلاند وبين شعوره بالإجحاف من قبل “اللجنة النرويجية لنوبل” (التي لم تمنحه جائزة السلام)، جعلت المفاوضات في دافوس تتسم بالحساسية المفرطة.إن الواقع الآن أن ترمب لا يتفاوض على الجليد أو الجزيرة فقط وإنما على الهيمنة والنفوذ.

إنه يستخدم ملف جرينلاند ليجبر أوروبا على إعادة صياغة علاقتها الدفاعية والتجارية مع واشنطن بالكامل.

الذكاء الاصطناعي..هل هو الضحية؟

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي يبدو أن القضايا التقنية الكبرى التي كانت تتصدر المشهد، مثل مستقبل الذكاء الاصطناعي قد تراجعت إلى المركز الثاني. فرغم وجود عمالقة التكنولوجيا إلا أن أعين المستثمرين معلقة بلقاء “الغرف المغلقة” المرتقب بين ترمب والقادة الأوروبيين في اليوم الثالث للقمة.

الخلاصة:”كسر العظم”

نعم..هى قمة بهذا الوصف أو التشبيه..حيث تغادر قمة دافوس 2026 منطقة الراحة التي تعودت عليها لعقود. لم تعد “روح دافوس” أو “الحوار” تدور حول العولمة، بل حول “إدارة الفوضى”..فإما أن ينجح الوسطاء في نزع فتيل “أزمة جرينلاند” والوصول إلى صفقة تحفظ ماء وجه الجميع،أو أننا سنشهد ولادة نظام عالمي جديد منقسم،ويبدأ من جليد القطب الشمالي وينتهي عند أسوار الحماية التجارية..وتبقى الدول النامية والفقيرة دائماً هى التى تدفع ثمن “صراع الأقوياء”.

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى