رأي

د. أحمد عبد العزيز بكير يكتب… الشرق المتصدع: استراتيجيات مواجهة التوسع الإسرائيلي في المنطقة.

في ظل تحولات جيوسياسية عميقة تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز التحركات الإسرائيلية الأخيرة كمحاولة لفرض نظام إقليمي جديد يقوم على الهيمنة العسكرية والتوسع الجغرافي، مدعوماً بدعم أمريكي لا محدود علي جميع الجبهات، سياسة كانت أم عسكرية. فمنذ بداية الحرب على غزة في 2023، أعلن بنيامين نتنياهو أن هدفه هو “تغيير كامل الشرق الأوسط”، وهو ما ترجمه المحللون الاستراتيجيون الإسرائيليون بأنه إقامة “نظام إقليمي ذات منظور إسرائيلي” بدعم من الولايات المتحدة. هذا المشروع التوسعي لا يقتصر على غزة فحسب، بل يمتد إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق وحتي كامل الجنوب التركي من جزيرة بن عمر أقصي جنوب شرق الأناضول وحتي إسكندرونة أقصي جنوب الغرب، ويهدف إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة لصالح الرؤية الصهيونية، مما يهدد استقرار الدول المجاورة ويضعها أمام تحديات وجودية.

اقرأ أيضا: د. أحمد عبد العزيز بكير يكتب.. بدائل مصر للطاقة في ظل تعثر صفقات الغاز الإسرائيلي: تحليل استراتيجي

أولى هذه السيناريوهات تتمثل في خوض حرب اقتصادية ومالية غير مباشرة. إذ يمكن لدول الإقليم وحلفائه شن حملة منهجية تستهدف العجز الهيكلي في الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يعتمد بشكل أساسي على الدعم الأمريكي والاستثمارات الأجنبية. يتم ذلك عبر تعزيز مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال عالمياً، والضغط على صناديق الاستثمار الدولية لسحب استثماراتها من إسرائيل، والسعي تجاه إنشاء أنظمة تبادل تجاري بديلة باستخدام عملات غير الدولار لتقليل تأثير الهيمنة المالية الغربية. الهدف من هذا السيناريو هو تأكيد عدم الاعتراف بالشرعية الاقتصادية لإسرائيل ورفع التكلفة المادية والسياسية للمشروع التوسعي على حلفائها الغربيين.

بالتوازي مع الضغط الاقتصادي، يبرز سيناريو التمرد الشعبي الإقليمي والعالمي المنظم كقوة ضاغطة لا يمكن إغفالها. يمكن للتحالفات الشعبية العابرة للحدود، والتي تجسدت في مسيرات مليونية عبر العواصم العالمية، أن تتحول إلى قوة سياسية فاعلة مثل التي يتم تنظيمها في إسبانيا، هولندا، أستراليا وكولومبيا. من خلال شبكات التنسيق عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية حقوق إنسان عالمية، كما حدث سابقاً في حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، يمكن إجبار الحكومات الغربية على مراجعة دعمها غير المشروط لإسرائيل تحت وطأة الضغط الديمقراطي الداخلي وأخلاقيات الناخبين.

من ناحية أخرى، فإن تطوير قدرات الردع غير التقليدية يعد سيناريواً محورياً. وذلك عبر الاستثمار في الاختراق التكنولوجي والمعرفي في المجالات الحيوية مثل الذكاء الاصطناعي، الحرب الإلكترونية، والصناعات العسكرية المتطورة. إن توطين هذه الصناعات وامتلاك قدرات سيبرانية هجومية ودفاعية متطورة يمكن أن يغير معادلة القوى بشكل جذري. يستهدف هذا السيناريو البنية التحتية الحيوية الإسرائيلية، مسبباً خسائر باهظة في مجالها الأكثر تقدماً وحساسية، وبالتالي ردعها عن التصعيد، وهذا السيناريو تستخدمه بالفعل إيران في حربها المتواصلة مع الكيان الصهيوني.

أخيراً، يبقى سيناريو الضغط العسكري غير المباشر عبر تحريك جبهات متعددة أحد الخيارات الاستراتيجية. تنسيق عملياتي بين فصائل المقاومة على جبهات متفرقة وغزة ولبنان واليمن، يمكن من خلالها إجهاد الآلة العسكرية الإسرائيلية واستنزاف مواردها البشرية والمادية. فتح جبهات متعددة في وقت متقارب يمنع إسرائيل من تركيز قوتها، ويهدد بانهيار نظرية الأمن القائمة على الردع الساحق، مما يفرض عليها قبول معادلة جديدة تقوم على التبادلية والردع.

وجديد تلك السيناريوهات هو استغلال التغيرات السياسية الحالية في الغرب، وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة، لشق الصف الغربي الداعم لإسرائيل وتعطيل المشروع التوسعي الصهيوني. هذه الاستراتيجية تعتمد على فهم التحولات الداخلية واستغلالها لتحقيق أهداف سياسية. فاليسار الأوروبي يشهد صحوة ملحوظة، كما ظهر في الانتخابات الفرنسية الأخيرة حيث فاز تحالف “الجبهة الشعبية الجديدة” اليساري، مما حال دون وصول اليمين المتطرف إلى السلطة. هذا التحالف يتبنى مواقف أكثر نقدًا للسياسات الإسرائيلية، ويدعم حل الدولتين، ويعارض العنف ضد المدنيين. على سبيل المثال، يطالب زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلانشون” بالاعتراف بدولة فلسطين ووقف إمدادات السلاح لإسرائيل في حال قيادته للحكومة.

وفي ألمانيا، على الرغم من أن معظم الأحزاب الرئيسية لا تزال تدعم إسرائيل بسبب “المسؤولية التاريخية”، فإن حزب اليسار الألماني (Die Linke) وحزب “تحالف سارة فاغنكنيشت” (BSW) يطالبان بوقف توريد الأسلحة إلى إسرائيل ومحاسبة جميع الأطراف عبر المؤسسات الدولية . هذه الأحزاب يمكن أن تشكل ضغطًا برلمانيًا وسياسيًا على حكوماتها، ما يفتح الطريق أمام حل عادل للقضية الفلسطينية بالمحافل الدولية

خلاصة القول، إن مواجهة المشروع التوسعي الإسرائيلي تتطلب رؤية استراتيجية لا تعتمد على منهج واحد، بل على نسج خليط متجانس من هذه السيناريوهات. يجب أن تتراوح الأدوات بين الاقتصادية والقانونية والشعبية والعسكرية غير المباشرة، مع الاستفادة من البيئة الدولية المتغيرة والانقسامات الداخلية في الغرب. النجاح لا يُقاس بالضرورة بانتصار عسكري حاسم، بل بقدرة قوى المقاومة والإقليم على إفشال الحلم التوسعي وإجبار إسرائيل على العودة لحدودها والتحول إلى دولة صغيرة منبوذة إقليمياً وعالمياً، لتأكل نفسها بمرور الأيام، حيث التعويل عليها كوطن قومي لليهود بات فاشلاً.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى