رأي

محمد مخلوف يكتب.. من 25 يناير إلى 30 يونيو كيف أُدير الغضب الشعبي؟ ولماذا سقطت شرعية الإخوان قبل سقوط حكمهم؟

  الكاتب مدير وحدة مكافحة الإرهاب 

لم يكن ما جرى في مصر مطلع العقد الثاني من الألفية مجرد انفجار لحظة، ولا يمكن اختزاله في ثنائية مبسطة من نوع: ثورة أم مؤامرة. فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بتفكيك المسارات، وربط الوقائع، وقراءة ما جرى قبل أن يظهر إلى العلن بسنوات.

ولكي نفهم ما حدث في 25 يناير 2011، لا بد أولًا من ضبط المفاهيم. فالثورة، في معناها السياسي الدقيق، هي حراك شعبي مستقل الإرادة، نابع من الداخل، يستهدف تغيير نظام قائم لمصلحة مشروع وطني واضح، دون إدارة خارجية أو توجيه تنظيمي عابر للحدود. وبالقياس على هذا التعريف، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما جرى استوفى هذه الشروط كاملة؟

من الغضب المشروع إلى التوظيف المنظم

لا أحد ينكر أن الشارع المصري كان يحمل غضبًا حقيقيًا، وأن هناك مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية مشروعة. لكن الإشكالية لم تكن في الغضب ذاته، بل فيمن التقطه، ومن أعاد توجيهه، وكيف خرج من مسار الإصلاح إلى مسار إسقاط الدولة.

الوقائع تشير إلى أن خيوط هذا المسار لم تبدأ في يناير 2011، بل تعود إلى عام 2004، حين بدأت تتشكل في الإقليم تصورات غربية تحت لافتة «نشر الديمقراطية» و«إعادة تشكيل الشرق الأوسط». وفي هذا السياق، جرى النظر إلى جماعة الإخوان، بوصفها تنظيمًا دوليًا عابرًا للحدود، كأداة قادرة على الحشد والتنظيم، لا كحركة وطنية مندمجة في الدولة.

 

الرصد المبكر: حين لم يكن الغضب قد وُلد بعد

مع بروز مؤشرات مبكرة على تحركات غير اعتيادية واتصالات خارجية وداخلية لقيادات تنظيمية بعينها، جرى تقنين الرصد والمتابعة منذ عام 2004 في إطار قانوني كامل، بالتنسيق مع نيابة أمن الدولة العليا. لم يكن ذلك رد فعل على شارع غاضب — إذ لم يكن الغضب قد تشكل بعد — بل متابعة لمسار تنظيمي طويل النفس، جرى بناؤه بهدوء، وعُقدت بشأنه اجتماعات في الداخل والخارج.

ما كشفته سنوات الرصد لم يكن نشاطًا سياسيًا تقليديًا، بل تنسيقًا يتجاوز الإطار الوطني، وتحركات مترابطة تشير إلى مخطط مُعدّ سلفًا، ينتظر اللحظة المناسبة للانتقال من العمل التنظيمي إلى الفعل الميداني.

 

حين يتأكد القرار الدولي داخل التنظيم

لم يكن تأكد موافقة التنظيم الدولي للإخوان على لعب هذا الدور وليد دليل واحد، بل حصيلة مؤشرات متراكمة. من بينها التصريحات السياسية الغربية في منتصف العقد الأول من الألفية، التي بعثت برسائل طمأنة للجماعة، مرورًا بنتائج انتخابات 2005 البرلمانية، وصولًا إلى التحول الفكري والتنظيمي الموثّق في وثائق ضبطت لاحقًا.

لكن الأخطر لم يكن في الخطاب، بل في التحول الداخلي. فقد كشفت إحدى الوثائق المحورية — المعنونة بـ«ماذا نحن فاعلون»، والتي ضُبطت مع خيرت الشاطر — عن انتقال صريح من شعار السلمية إلى الإعداد لقوة تنظيمية مسلحة، وفتح قنوات اتصال مع فصائل متطرفة، والسعي إلى ترسيخ قناعة لدى دوائر استخبارات غربية بقدرة التنظيم على تحريك الشارع أو إخماده متى شاء.

ولم يكن ذلك تنظيرًا مجردًا. فواقعة امتناع الجماعة عن تحريك الشارع في أحداث الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول ﷺ، رغم ما تحمله من استفزاز ديني بالغ، لم تكن حرصًا على الاستقرار، بل رسالة سياسية محسوبة تؤكد أن قرار التحريك أو التجميد يخضع لحسابات الخارج، لا لمرجعية دينية أو أخلاقية.

 

من «شوكة النكاية» إلى «التوحش»

لم يكن تحرك جماعة الإخوان رد فعل عفويًا على أحداث طارئة، بل تنفيذًا تدريجيًا لمخطط طويل الأمد سار على مراحل. بدأت الجماعة بما أسمته «مرحلة شوكة النكاية»، وهي مرحلة إنهاك الدولة دون صدام شامل، عبر توظيف الاحتجاجات الفئوية، وتنظيم مظاهرات متكررة أمام مؤسسات سيادية، ومحاولة إرباك المشهد الدستوري، إلى جانب استغلال الانفلات الحدودي في رفح عام 2008 كرسالة اختبار لقدرة الدولة على السيطرة.

ومع حلول عام 2011، جرى الانتقال إلى «مرحلة التوحش»، حيث لم يعد الهدف الضغط أو الإنهاك، بل إسقاط الدولة من الداخل بالقوة، عبر اقتحام الحدود والسجون باستخدام السلاح الثقيل، وتهريب عناصر تنظيمية وخطرة، والسيطرة شبه الكاملة على مناطق حدودية. لم تكن تلك فوضى لحظة، بل إعلانًا صريحًا لتغيير طبيعة الصراع.

شرعية الحكم: السؤال الذي سبق العزل

وسط هذا المشهد، جاء وصول الإخوان إلى السلطة ليطرح سؤالًا قانونيًا مركزيًا: هل امتلك من جلس على كرسي الحكم شرعية الحكم أصلًا؟

الإشكال لم يبدأ بالعزل، بل بالشرعية ذاتها. فمحمد مرسي لم يكن «رئيسًا» بالمعنى الدستوري الخالص، لأنه جمع بين بيعة تنظيمية تقوم على السمع والطاعة، وبيعة دستورية للنظام الجمهوري تقوم على سيادة القانون. والجمع بين بيعتين متناقضتين يسقط شرط الولاية الواحدة المستقلة.

ودستوريًا، جاء الترشح في ظل وضع قانوني ملتبس لم يكن معلومًا للناخبين، بما يُعيب أصل الاختيار. ومن ثم، فإن توصيف «الرئيس المعزول» يحمل افتراضًا قانونيًا غير دقيق، لأن العزل يفترض شرعية مكتملة لم تثبت أصلًا.

لماذا تغيّر قرار الجماعة وخاضت الرئاسة؟

المفارقة أن الجماعة نفسها لم تكن تنوي خوض الانتخابات الرئاسية. فالتسجيلات الداخلية لاجتماعات مكتب الإرشاد عام 2010 تُثبت أن التقدير التنظيمي كان يقضي بعدم الدفع بأي مرشح في تلك المرحلة، وهو ما تؤكده واقعة فصل عبد المنعم أبو الفتوح بسبب إصراره على الترشح.

لكن القرار تغيّر، وانتهى الأمر بترشيح محمد مرسي، باعتباره المسؤول عن القسم السياسي في الهيكل التنظيمي، والشخصية الأقوى بعد خيرت الشاطر، ما جعله الخيار التنظيمي الأنسب لتمثيل الجماعة، لا بوصفه رئيس دولة، بل كأداة تنفيذ لمرحلة متقدمة من المشروع.

حين عاد الأمن… أسرع مما توقع الجميع

كثير من التقديرات الدولية راهنت على أن استعادة الأمن في مصر بعد 30 يونيو ستستغرق عقدًا كاملًا. لكن ما حدث كان مختلفًا. فقد بدأت مؤشرات التعافي الأمني في الظهور خلال أقل من عام، حين تبلورت إرادة شعبية جامعة في مواجهة الإرهاب، وتزامن ذلك مع فرض سيادة القانون، وتفكيك مراكز القوى الموازية.

حينها فقط، عادت العلاقة الطبيعية بين الدولة والسياسة، وسقط وهم «الدولة البديلة».

خاتمة: معركة وعي لا تنتهي

ما جرى في مصر لم يكن مجرد صراع على الحكم، بل صراع على معنى الدولة، وعلى من يملك حق تمثيل الدين، ومن يوظفه. وبين من شوّه الإسلام في الخارج، ومن تاجر به في الداخل، بقيت الدولة الوطنية هي خط الدفاع الأخير.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية لم تكن — ولن تكون — أمنية فقط، بل معركة وعي، لا ينتصر فيها إلا العقل، ولا تُحسم إلا بمعرفة لا تخاف الحقيقة.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى