رأي

صبري الديب يكتب.. كارثة العملاء في إيران

لا خلاف على أن الاختراق الكبير والواضح لقمة القيادة في إيران خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على طهران، كان ولا يزال محل استغراب وتعجب العالم، خاصة بعد أن نجحت منظومة عملاء الداخل، في التحضير بدقة لسلسلة من الضربات، طالت قيادات الصفين الأول والثاني في منظومة القيادة، فضلًا عن مواقع عسكرية وحيوية على درجة عالية من الحساسية.

ورغم أنني من محبي إيران كـ”دولة” تمتلك من الحضارة ما يجعلك فعليًا تشم رائحة التاريخ في شوارعها العتيقة، وتشعر بالإعجاب من حجم التقدم الذي أحرزته في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعات العسكرية والمدنية، إلا أنني أمتلك من خلال زيارتين ميدانيتين قمت بهما للدولة الفارسية، رؤية متواضعة تعكس باختصار الأسباب الخفية وراء الاختراق المهين، الذي أظهر إيران بمثل هذا الشكل الهش، وعكس وبوضوح امتلاك أمريكا وإسرائيل لكمّ غير الطبيعي من العملاء بالداخل.

الواقع يقول، إن النظام الديني الذي سيطر على الحكم في طهران في أعقاب الثورة التي قادها آية الله الخميني في عام 1979 قد نهض بإيران بشكل كبير، لدرجة أنه نجح في الوصول بالبلاد إلى الاكتفاء ذاتي في قطاعات عدة، على رأسها الغذاء، لدرجة أنه بات من الصعب أن ترى منتجًا غذائيًا مستوردًا في أي من متاجرها.

غير أن الواقع ذاته يقول، إن النظام ذاته الذي أطاح بحكم الشاه قبل 47 عامًا، قد وقع -ولا يزال- في خطأين كارثيين، حشد بهما جيشًا من الكارهين لإيران داخليًا وخارجيًا، أولهما أنه شرع منذ الأيام الأولى للثورة في مشروع شيعي توسعي كارثي، بدّد بموجبه ثروات طائلة، كانت كفيلة بتحويل إيران إلى دولة عظمى لو تم توجيهها لتنمية الداخل.

وعلى الرغم من أن النظام الإيراني نجح من خلال مشروعه التوسعي، أن يصبح صاحب اليد الطولى في صناعة القرار في عدة عواصم عربية، فإنه ولّد لدى الحكام والمواطنين السُنة في تلك الدول، مشاعر عدائية شديدة الكره لإيران، ودفعهم للقبول بوجود قواعد أمريكية وغربية على أراضيها، تكون بمثابة حائط الصد أمام أي هجوم إيراني.

أما ثاني تلك الأخطاء الكارثية، فدأب النظام الإيراني منذ الأيام الأولى للثورة، على الحكم بموجب نظام استبدادي مقيت، قمع بموجبه جميع أشكال الحريات، وكمّم كل الأفوه، وزجَّ بالمعارضين الوطنيين إلى السجون، وأجبر الآلاف على الهرب والعيش خارج البلاد، وهي الممارسات التي ولّدت بالتبعية شعورًا كارهًا لـ”النظام” وليس “الدولة” لدى قطاع عريض من الإيرانيين، بل وخلق بيئة خصبة للمخابرات الأمريكية والإسرائيلية لاستقطاب آلاف الكارهين، تحت شعار مضلل اسمه “إسقاط النظام”.

الواقع المحزن يقول، إن النظام الإيراني كان بسلوكه القمعي أول من مكّن الأمريكان والإسرائيليين من اختراق الداخل، وتجنيد جيش من العملاء الكارهين للنظام، بل وفرض سيطرة كارثية على جميع القطاعات الحساسة بما فيها الاتصالات والإنترنت، ورصد تحركات القيادة، واختراق كاميرات في الشوارع، والحصول على بيانات عالية السرية ساعدت على استهداف الشخصيات والأهداف المهمة.

المذهل أن سهولة تجنيد العملاء في إيران، دفع الموساد الإسرائيلي إلى فتح قناة علنية على موقع “تليجرام” باللغة الفارسية، استقطبت نحو 50 ألف متابع خلال ساعات، رغم أنها تهدف صراحة لتجنيد إيرانيين للعمل كعملاء لدى جهاز المخابرات الإسرائيلي، من خلال الدخول على روابط تم نشرها بشكل صريح عبر مواقع “إنستجرام وفيسبوك ولينكد إن”.

المبكي، أن “العملاء” أصحاب الفضل الأول في مقتل قادة بلادهم واستهداف مواقعها الحيوية، لا يزالوا يعيشون في وهم أن أمريكا وإسرائيل كان هدفهما “إسقاط النظام” على عكس ملايين الإيرانيين الوطنيين الذين شكّلوا سلاسل بشرية لحماية جسور البلاد من القصف، وأدركوا مبكرًا -رغم اختلاف بعضهم مع النظام- أن الهدف الأمريكيان الصهاينة هو “إسقاط الوطن” ونسف حضارة تملؤ روائحها العبقه كل شبر من شوارع إيران.. وكفى.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى