رأي

د. فرج بوخروبة يكتب.. قوة في القمة ومسار مفتوح على التحول

يقف المراقب لمسار التحولات الكونية الكبرى في هذا المنعطف من التاريخ البشري أمام مشهد يختزل صراع الروح مع المادة، حيث تتجلى الولايات المتحدة الأمريكية اليوم كأضخم كيان مادي عرفته الإنسانية، قوة تمسك بتلابيب الاقتصاد وتطوع الجغرافيا العسكرية لخدمة غاياتها، لكنها في ذروة هذا العنفوان تبدو وكأنها تصارع قدراً تاريخياً لا مفر منه. إن القوة حين تبلغ مداها الأقصى وتبدأ في التغول، تلد غالباً بذور تراجعها من رحم مكاسبها، وهو ما يفسره القانون التاريخي الصارم القائل بأن الدول لا تسقط بضربات خارجية إلا بعد أن تتآكل من الداخل فكرياً وقيمياً. نحن اليوم بصدد تحول بنيوي حاد في العقل السياسي الأمريكي، حيث انتقلت واشنطن من مرحلة القوة الرسالية التي كانت تحاول تسويق نموذجها الكوني عبر مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى مرحلة القوة الذاتية الصرفة المتمثلة في شعار أمريكا أولاً، وهو شعار يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بانتهاء زمن الهيمنة المريحة وبداية زمن الصراع الوجودي على الفتات، حيث تتحول الدولة من قائد للنظام العالمي إلى مجرد لاعب يبحث عن صفقات رابحة وسط ركام التوازنات المنهارة.
إن هذا التغول العسكري الذي نراه اليوم، بإنفاقه الذي يتجاوز مجموع إنفاق دول كبرى مجتمعة، يمنح واشنطن دور الحارس العالمي، لكنه حارس بات يشعر بعبء الأمانة وثقل المسؤولية. الاقتصاد الذي لا يزال الدولار فيه سيد الموقف، يواجه حقيقة مرة مفادها أن النفوذ المالي لم يعد كافياً لضبط إيقاع عالم يهرول نحو التعددية بسرعة مذهلة. الصين، تلك القوة الهادئة والحذرة، لا تسعى لكسر أمريكا في ميدان الحرب المباشرة، بل تسعى لوراثتها في ميادين الإنتاج والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد، وهي تدرك بعمق أن الزمن يعمل لصالح من يبني الجسور التجارية لا من يرفع الجدران الحمائية. وفي المقابل، نجد أن الحلفاء التقليديين في القارة الأوروبية يعيشون حالة من التوجس الوجودي، فهم عالقون بين فكي التبعية الأمنية لحلف الناتو وبين الرغبة الجامحة في استقلال استراتيجي يحميهم من تقلبات المزاج السياسي المفاجئ في البيت الأبيض، مما يجعل التحالفات الغربية تعيش حالة من التصدع الصامت الذي ينذر بانهيار الإجماع الليبرالي العالمي.
إن تبني سياسة الانكفاء تحت ستار المصلحة الوطنية القومية يمثل انعطافة حادة لا يمكن الاستهانة بآثارها. فبينما يرى مؤيدو هذا النهج أنه استرداد للسيادة المفقودة وحماية للصناعة الوطنية من براثن العولمة، يراه المحللون الاستراتيجيون بداية التخلي الطوعي عن العرش العالمي. إن الانسحاب من الاتفاقيات الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف ليس مجرد قرار إداري أو سياسي عابر، بل هو إعلان صريح عن فقدان الثقة في النظام الذي صنعته أمريكا بنفسها عقب الحرب العالمية الثانية. هنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: القوة التي هندست العالم المعاصر وقوانينه، تبدو اليوم وكأنها ضاقت ذرعاً بصناعتها الخاصة. هذا التحول يفتح الباب على مصراعيه لقوى إقليمية ودولية لملء الفراغات الناجمة عن هذا التراجع، مما يؤسس لنظام عالمي يتسم بالسيولة وفقدان المركز، وهو وضع يرفع منسوب عدم اليقين ويجعل الصدامات العشوائية أكثر احتمالاً من أي وقت مضى.
بالنظر من زاوية التحليل البنيوي المعمق، نجد أن العالم لم يعد ساحة للاعب أوحد يملي إرادته. التقدم التكنولوجي الهائل وكسر احتكار المعلومة قد أدى إلى توزيع القوة بشكل أفقي، وباتت المعرفة مشاعة لدرجة تجعل الهيمنة التقليدية ضرباً من الماضي. التاريخ يخبرنا بوضوح أن الإمبراطورية الرومانية لم تنهَرْ بسبب هزيمة عسكرية حاسمة في ساحة الوغى، بل لأنها فقدت قدرتها على التكيف مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في أطرافها المترامية، وبريطانيا التي لم تكن تغيب عنها الشمس، تراجعت حينما عجزت عن ملاحقة سرعة التحولات الصناعية والفكرية التي سبقت الحربين العالميتين. أمريكا اليوم تواجه ذات المأزق الوجودي: هل تظل متمسكة بقوة السلاح وفرض الإرادة، أم تنفتح على حقيقة أن القيادة في القرن الحادي والعشرين تتطلب قوة ناعمة تقوم على الشراكة الحقيقية لا على الإملاءات الفوقية؟ إن الاستمرار في إنكار هذه التحولات يقود حتماً إلى ما يسميه المؤرخون التمدد الإمبراطوري الزائد، حيث تصبح تكلفة الحفاظ على النفوذ أكبر بكثير من العوائد المجنية منه.
السيناريوهات القادمة ترسم ملامح عالم قلق ومضطرب؛ فإما أن تنجح واشنطن في إعادة صياغة صفقاتها الفردية لتستمر كقوة مهيمنة بأسلوب “المرتزق القوي” الذي يحمي من يدفع، وهو نجاح مشكوك في ديمومته وأخلاقيته، وإما أن تقع في فخ العزلة الاستراتيجية حيث يبني العالم نظاماً موازياً يتجاوز سطوة الدولار والوصاية الأمريكية، وهو السيناريو الذي بدأت تظهر بوادره في تكتلات البريكس والاتفاقيات التجارية البينية التي تقصي المركز الغربي. أما الطريق الثالث، وهو الأكثر عقلانية والأصعب تنفيذاً في ظل الاستقطاب الحالي، فيكمن في إدراك أن القيادة الحقيقية لا تعني الانعزال ولا الهيمنة المطلقة، بل التوازن الدقيق بين حماية المكتسبات الداخلية وبين الوفاء بالالتزامات الكونية التي تضمن استقرار النظام ككل. إن تجاهل هذا التوازن يعني المقامرة بمستقبل القوة ذاتها، إذ لا يمكن لجزيرة من الرخاء أن تصمد طويلاً في محيط من الاضطرابات التي تسببت فيها سياسة الأنانية القومية.
في الختام، إن القوة بلا رؤية فكرية شاملة هي مجرد غطرسة عابرة في سجل الزمن، وأمريكا اليوم تطرح على نفسها سؤال الهوية قبل سؤال السياسة؛ من نحن وماذا نريد من العالم؟ إن الانكفاء على الذات قد يمنح مكاسب اقتصادية عاجلة ويُرضي القواعد الانتخابية الغاضبة، لكنه يقوض الشرعية الأخلاقية والسياسية التي استندت إليها واشنطن في قيادة المعسكر الغربي. التوصية الجوهرية هنا لصناع القرار في العواصم الكبرى وللمراقبين لهذا التحول الجسيم، هي ضرورة فهم أن التاريخ لا يحابي أحداً، وأن البقاء في القمة يتطلب مرونة فكرية تتجاوز لغة الأرقام الصماء والترسانات النووية. القيادة العالمية هي أمانة تاريخية كبرى، ومن يتخلى عن مسؤولياته الكونية بحجة الأولوية الوطنية الضيقة، قد يجد نفسه قريباً خارج سياق الزمن، يشاهد العالم الذي صنعه وهو يعاد تشكيله بأيدي الآخرين وفق قيم ومصالح لا تعترف بمكانته القديمة. إنها لحظة الحقيقة، لحظة الاختيار بين التكيف مع فجر عالم متعدد الأقطاب، أو الغرق في شمس الغروب لإمبراطورية لم تدرك أن دوام الحال من المحال، وأن العظمة لا تُقاس بما تملكه من سلاح، بل بما تمنحه للعالم من استقرار وأمل.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى