سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. غزة معركة الحياة في زمن الموت

غزة اليوم ليست مجرد شريط ساحلي صغير على خارطة الشرق الأوسط، بل أصبحت أيقونة للصمود، وجرحاً مفتوحاً على جسد العالم، يصرخ في وجه النسيان.
هنا، في هذه البقعة المحاصرة، لا تدور معركة من أجل الأرض فقط، بل من أجل البقاء نفسه، من أجل الحق في الحياة، في الخبز، في الهواء، في الأمل.
اقرأ أيضا: بين الحصار والجوع سكان غزة يواجهون شبح الموت يومياً
منذ أشهر طويلة، تعيش غزة تحت حرب هي الأشد ضراوة في تاريخها. قصف لا يهدأ، حصار خانق، وتجويع ممنهج يخنق كل أشكال الحياة. الناس هنا لا يحصون أعمارهم بالأيام، بل باللقيمات التي يقتسمونها، وبالجرعات القليلة من الماء، وبالأخبار التي تأتي محملة بمزيد من الفقد.
في كل شارع من شوارع غزة، حكاية موجعة. أم فقدت أبناءها في غارة ليلية، لكنّها لا تزال توقد النار كل صباح لإعداد الخبز لمن بقي حياً . طفل فقد بيته وألعابه، لكنه لا يزال يركض في الأزقة المهدّمة بابتسامة لا يعرف سرها إلا هو. شيخ طاعن في العمر يجلس على كرسي مكسور أمام بيته الذي صار ركاماً، يحدّث جيرانه عن أيامٍ كان البحر فيها أزرق، والأسواق عامرة، والليل هادئاً.
حتى الطبيعة في غزة تغيرت. العصافير هجرت سماءها، والبحر الذي كان يضج بالحياة صار صامتاً وكأنه يشارك أهل المدينة حدادهم. ورغم ذلك، لا تزال رائحة الخبز تخرج من بعض البيوت، وضحكات الأطفال تتسلل من بين الركام، لتقول للعالم إن الحياة هنا، مهما ضعفت، لن تُهزم.
إرادة الحياة في غزة أقوى من الموت. الغزيّون لم يعودوا يطلبون المستحيل، كل ما يريدونه أن يتوقف القتل ولو ليوم واحد، أن يُرفع عنهم الحصار، وأن يكون لهم الحق في أن يحلموا كبقية البشر. حلمهم بسيط: سرير آمن، خبز دافئ، وسماء لا تمطر ناراً.
لكن العالم، وكأنه فقد حاسة السمع والبصر، يقف متفرجاً. الأخبار تتناقل الأرقام الباردة عدد الشهداء، عدد الجرحى، عدد البيوت المدمرة ، لكن لا أحد ينقل نبض القلوب التي تخفق رغم كل شيء. لا أحد يروي حكايات الأم التي تبتسم وهي تخبئ دموعها عن أطفالها، أو الفتى الذي يدرس على ضوء شمعة في خيمة، أو الصياد الذي يخرج إلى البحر رغم الحصار لأنه لا يعرف مهنة غير الصيد.
المأساة في غزة ليست مجرد مشهد حرب، بل مشهد حياة كاملة تُسلب من أصحابها ببطء وقسوة. وفي ظل هذا الجحيم، هناك من يصر على البقاء، على مواصلة العيش وكأن الغد ممكن. النساء هنا يتحولن إلى جدار أخير أمام الانهيار، يحمين بيوتهن بما تبقى من قوة، ويُعدن ترتيب الحياة كل صباح مهما كانت الفوضى في الخارج.
في خلفية المشهد السياسي فبينما تنهمر القذائف على البيوت، يختلف القادة على طاولة المفاوضات. تنقسم الصفوف، وتتعدد الولاءات، ويبقى الناس وحدهم في مواجهة الموت. ومع ذلك، فإن هذه الانقسامات، مهما بدت مؤلمة، لم تستطع أن تمحو من وجدان الغزيين قناعتهم بأن الحياة أغلى من أي شعار، وأن البقاء أسمى من أي حسابات.
غزة اليوم تقاتل، لا لأنها تملك رفاهية القتال، بل لأنها لا تملك خياراً آخر. تقاتل بكل ما بقي لها: بصدور مكشوفة، وبأيدٍ تبني من تحت الأنقاض، وبأصوات ترفع في وجه العالم صرخة واحدة “نحن هنا… ولن نموت بصمت”.
في النهاية، تبقى غزة حكاية إنسانية قبل أن تكون قضية سياسية. هي مدرسة في الصبر، ومختبر لمعنى الكرامة، ودليل على أن الإنسان، مهما حاصرته الجدران والأسلاك، يستطيع أن يجد طريقاً للحياة.
قد يطول الليل، وقد تشتد الريح، لكن هذه المدينة الصغيرة تعلمنا أن النور يمكن أن يخرج حتى من قلب العتمة، وأن الأمل لا يموت . وغزة… لم ولن تنسكر .
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



