صبري الديب يكتب.. حاكم يده ملطخة بالدماء

عاد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق “توني بلير”، الذي يعد أشهر مجرمي الحرب في العالم، ليطل برأسه من جديد على المنطقة، غير أنه في هذه المرة في صور “حاكم” يدير غزة وفقًا لرؤية “أمريكية إسرائيلية غربية” بعد أن فرضه الرئيس الأمريكي جبرًا، على رأس “مجلس السلام” الذي سيتولى حُكم القطاع، بموجب خطة السلام التي اقترحها لإنهاء الحرب.
وبصرف النظر عما تحتويه خطة ترامب من بنود كارثية، تحقق للكيان الصهيوني كل الأهداف التي فشل نتنياهو في تحقيقها من خلال الحرب على غزة مدار عامين، إلا أنني لا أدري كيف لم ينتبه العرب والفلسطينيون لكارثة الحُكم الأجنبي المتمثل في “مجلس السلام” الذي سيتولى حُكم غزة، وعلى رأسه شخصية بقذارة “بلير” الملطخة يده بدماء الآلاف من الأشقاء العراقيين.
ولأننا هنا لم نعتد سوى نشر الحقيقة، فدعونا نعود للوراء قليلًا وتحديدًا لعام 2016، وقراءة نتائج التحقيقات الكارثية التي خرجت بها لجنة “تشيلكوت” التي تشكلت في عام 2009 للتحقيق في “مدى صحة ونتائج مشاركة بريطانيا إلى جانب أمريكا في غزو العراق عام 2003” للتحقق من هوية “بلير” الذي يريد الرئيس الأمريكي فرضة للتحكم في مقادير الأمور في قطاع غزة خلال مرحلة ما بعد الحرب.
فبعد 7 سنوات من التحقيقات الشفافة والمكثفة، وجّهت “لجنة تشيلكوت” البريطانية بشكل صريح وعلني اتهامات مباشرة لـ”بلير وبوش الابن” بقتل ما يزيد على 150 ألف مواطن عراقي، وتشريد ما يزيد على مليوني شخص آخرين، لاستنادهما في غزو العراق على معلومات استخباراتية مغلوطة، تستوجب مثولهما أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وقالت وثائق التحقيقات: إنه “وقت غزو العراق في عام 2003، لم يكن الرئيس العراقي صدام حسين يشكّل تهديدًا للمصالح البريطانية، وإن المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية كانت غير صحيحة وقُدمت بغير يقين، وأن بريطانيا وأمريكا قوضتا سلطة مجلس الأمن، ولم تستنفذا البدائل السلمية للحرب التي تمت دون أسس أو سند قانوني”.
النتائج الكارثية التي خرجت بها “لجنة تشيلكوت” أجبرت وزير الخارجية الأميركي وقت غزو العراق “كولن باول” على الخروج، والاعتراف بخطأ المعلومات الاستخباراتية التي قامت أمريكا وبريطانيا بموجبها بإسقاط نظام صدام حسين، وأن كل المعلومات التي قدمها شخصيًا أمام مجلس الأمن الدولي لتبريد الحرب “كانت ملفقة”.
كما أجبرت الاعترافات أيضا، رئيس الوزراء البريطاني المجرم “بلير” على الخروج، والإقرار أن غزو العراق ارتكز على معلومات استخباراتية معيبة، وأنه عرض على مجلس العموم “معلومات خاطئة، أفادت بأن أسلحة الدمار الشامل العراقية، تمثل تهديدًا في المستقبل”.
ولعل ما يدعو للأسف، أنه على الرغم من اعتراف “بلير وبوش الابن” بجرمهما، إلا أنهما لا يزالان طليقين حتى اليوم، دون أن تجرؤ الجنائية الدولية على توجيه اتهام لأي منهما، لا لشيء سوى أن أمريكا ليست عضوًا بنظامها الأساسي، وأن القضاء البريطاني لا يسمح للمحكمة الدولية بمساءلة مواطنيها، وأنه لا سبيل للمحاكمة مجرمي غزو العراق، سوى قرار من مجلس الأمن، أو أن تمنح أمريكا وبريطانيا المحكمة ولاية النظر بالجريمة، وهو ما لم يحدث، ولن يحدث.
الكارثة، أنه بعد مرور 22 عامًا على تدمير العراق، لا يزال الأمريكان والغرب يصران على خداع العرب، ووضع رجل بكل موبيقات “بلير” على رأس الحكم في غزة، رغم علم الجميع التام، بأنه ليس “مجرم قاتل” فحسب، بل عراب وسمسار بأجر، استخدمه ملوك وأمراء عقب الإطاحة به، لإتمام صفقات شخصية في مقابل عملات، أي أن ولاءه لمن يدفع.
ولتبقى خطة ترامب رغم موافقة حماس عليها تطرح تساؤلات تفوق مضمونها بمراحل، وعلى رأسها تجريد حماس من أسلحتها، والقضاء على المقاومة الى الأبد، ونزع ولاية السلطة الفلسطينية على غزة، وتهميش حل الدولتين، ومنح سلطة إدارة في القطاع لـ”قاتل أجير” يتحكم في مقاديره وفق رؤية أمريكية غربية.. وكفى.



