رأي

رامي زهدي يكتب.. مقاربة في رؤية وأهداف مؤسسة رسالة السلام الدولية وصراعات القارة الإفريقية

«السلام مدخل بناء العالم الجديد، وقبول الاخر شرطا لازما لإنهاء حروب القارة الافريقية؟»

لم تعد ازمات العالم المعاصر، وفي مقدمتها النزاعات الافريقية، ازمات موارد او حدود او صراعات نفوذ فقط، بل تحولت في جوهرها العميق الى ازمة وعي انساني مأزوم، قائم على الاقصاء ورفض الاخر وتجريم الاختلاف وتحويل التنوع من قيمة حضارية الى لعنة سياسية واجتماعية، ومن هنا يصبح السلام والتعايش السلمي وقبول الاخر ليس مجرد شعار اخلاقي او خطاب ثقافي ناعم، بل مدخلا وحيدا وشرطا بنيويا لتجاوز دوامات العنف والحروب، خصوصا في القارة الافريقية التي تدفع منذ عقود كلفة باهظة لثقافة الاقصاء بكل اشكالها العرقية والدينية والقبلية والسياسية والمجتمعية.

الارقام وحدها كاشفة لحجم المأساة، فوفقا لتقديرات الامم المتحدة، تضم افريقيا اليوم ما يزيد على 35 نزاعا مسلحا منخفض ومتوسط الحدة، وتستحوذ على اكثر من 40 بالمئة من النزاعات النشطة عالميا، كما يعيش ما يقرب من 45 مليون افريقي في حالة نزوح داخلي او لجوء خارجي، وهو الرقم الاعلى في تاريخ القارة، وتشير بيانات البنك الدولي الى ان النزاعات تكلف الاقتصادات الافريقية ما بين 2 الى 4 بالمئة من الناتج المحلي سنويا، وهي خسائر لا تتعلق فقط بالبنية التحتية والاستثمار، بل بتآكل رأس المال البشري وتفكك النسيج الاجتماعي وانهيار الثقة بين مكونات الدولة الواحدة.

وعند تفكيك الاسباب الحقيقية لهذه النزاعات، سنجد ان الاقصاء يتصدر المشهد بوصفه القاسم المشترك الاعظم، اقصاء قبلي ينتج حروبا اهلية ممتدة، اقصاء ديني يحول العقيدة الى اداة تعبئة قتالية، اقصاء سياسي يفرغ الدولة من معناها الجامع، واقصاء اجتماعي واقتصادي يصنع هوامش غاضبة قابلة للاشتعال عند اول صدمة.
ولذلك لم تنجح الحلول العسكرية وحدها، ولم تصمد اتفاقات السلام الهشة التي تجاهلت جذور الصراع الثقافية والفكرية، لانها عالجت الاعراض وتركت المرض يتفاقم في العمق.

في هذا السياق، تبرز الاهمية الاستراتيجية لمفهوم رسالة السلام بوصفه اطارا فكريا ومنهجيا يعيد تعريف العلاقة بين الانسان والاخر، وبين الدولة والمجتمع، وبين الاختلاف والتعايش، وهنا تحديدا تكتسب مؤسسة رسالة السلام الدولية، التي اسسها المفكر العربي “حمادي الشرفاء” في دولة الامارات العربية المتحدة، مكانتها النوعية بوصفها تجربة فكرية ومؤسسية غير تقليدية، لا تنطلق من منطق الوعظ ولا من خطابات التبرير، بل من مشروع معرفي متكامل يعيد الاعتبار لقيم السلام والتسامح والتنوع بوصفها ادوات بناء واستقرار، لا شعارات مناسبات.

قوة مؤسسة رسالة السلام الدولية لا تكمن فقط في خطابها، بل في تركيبتها العابرة للجغرافيا والهويات، وفي قدرتها على الاشتباك مع القضايا الفكرية الشائكة التي غالبا ما يتم تجنبها في النقاش العام، مثل العلاقة بين الدين والسياسة، بين الهوية الوطنية والانتماءات الفرعية، وبين الذاكرة التاريخية وضرورات العيش المشترك، وقد استطاعت المؤسسة خلال سنوات قليلة ان تخلق شبكة علاقات فكرية وثقافية تمتد من العالم العربي الى اوروبا واسيا، وان تطلق مبادرات حوارية ومعرفية تستهدف تفكيك خطاب الكراهية من جذوره، وليس فقط ادانته اخلاقيا.

وعند اسقاط هذا النموذج على القارة الافريقية، تتضح الفرصة الكامنة، فافريقيا ليست قارة النزاعات فقط، بل قارة التنوع بامتياز، اكثر من 3 الاف مجموعة عرقية، وما يزيد على الف لغة ولهجة، وتعدد ديني وثقافي نادر المثال، هذا التنوع، الذي كان يمكن ان يكون مصدر ثراء حضاري، تحول بفعل السياسات الاقصائية والاستعمارية القديمة والحديثة الى وقود صراع، ومن هنا، يصبح نقل تجربة مؤسسة رسالة السلام الدولية الى الفضاء الافريقي، سواء عبر شراكات مع الاتحاد الافريقي، او مراكز الفكر والجامعات، او منظمات المجتمع المدني، خطوة ذات اثر استراتيجي بعيد المدى.

البيانات تؤكد ان الدول الافريقية التي اعتمدت سياسات دمج مجتمعي وحوار وطني شامل، مثل رواندا بعد الابادة الجماعية، او غانا في ادارة التنوع السياسي والعرقي، حققت استقرارا سياسيا ونموا اقتصاديا لافتا، حيث تجاوز متوسط النمو في هذه الدول 5 بالمئة سنويا خلال العقد الاخير، مقارنة بدول غرقت في الاقصاء والصراع وتراجعت مؤشرات التنمية فيها بشكل حاد، وهذه ليست مصادفة، بل دليل على ان السلام يبدأ من العقل قبل ان يترجم في الاتفاقات.

ان الاقصاء، في جوهره، هو اعلان حرب مؤجلة. وكل خطاب يقسم المجتمع الى نحن وهم، او يختزل الوطنية في فئة، او يحتكر الحقيقة باسم الدين او العرق او الثورة، هو خطاب ينتج العنف ولو بعد حين، ومن هنا، فان المعركة الحقيقية في افريقيا والعالم ليست فقط مع السلاح، بل مع الفكرة التي تبرره، ومع الثقافة التي تمنحه شرعية زائفة.

دور مؤسسة رسالة السلام الدولية هنا يتجاوز العمل الثقافي الى ما يمكن وصفه بالهندسة الناعمة للوعي الجمعي، وهي مهمة شديدة التعقيد لكنها الاكثر استدامة، فبناء السلام الحقيقي لا يتم عبر فرض الصمت، بل عبر ادارة الاختلاف وتحويله من سبب للصدام الى مصدر للتكامل، وهذا بالضبط ما تحتاجه افريقيا اليوم في لحظة عالمية مضطربة، يتراجع فيها منطق التعدد لصالح الشعبويات، وتعود فيها الهويات الصلبة لتتصدر المشهد.

من هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في السلام والتعايش ليس ترفا اخلاقيا، بل ضرورة امن قومي وتنموي، سواء لافريقيا او لشركائها، وفي مقدمتهم العالم العربي، وتجربة الامارات العربية المتحدة في دعم خطاب التسامح والمؤسسات الفكرية العابرة للثقافات، تقدم نموذجا يمكن البناء عليه افريقيا، ليس من موقع الوصاية، بل من موقع الشراكة واحترام الخصوصيات.

الخلاصة ان العالم لن يخرج من دوائر النزاع ما لم يواجه جذر الازمة: فثقافة الاقصاء والسلام لن يكون نتاج اتفاقات فوقية فقط، بل ثمرة مشروع فكري طويل النفس يعيد الاعتبار للانسان كقيمة، وللاختلاف كحق، وللتنوع كفرصة، وهنا تحديدا، تطرح مؤسسة رسالة السلام الدولية نفسها كاحد اهم المداخل الفكرية الجادة لاعادة صياغة مستقبل افريقيا، لا عبر البنادق، بل عبر الوعي.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى