د. فرج بوخروبة يكتب.. الكتلة الحرجة: السيادة العربية في عالم متعدد الأقطاب

تمرّ المنطقة العربية بلحظةٍ تاريخية فارقة، لا تشبه في خطورتها مجرد أزمات عابرة، بل تنزلق نحو عتبة “إعادة الهيكلة الجيوسياسية” التي قد تُعيد رسم خرائط النفوذ والهوية معاً. وفي عالمٍ يموج بالتحولات الكبرى، من صعود قوى آسيوية إلى تراجع الأحادية القطبية، وبروز تحالفات مرنة قائمة على المصالح لا الأيديولوجيا، لم يعد الانعزال خياراً ممكناً، بل صار البحث عن “كتلة عربية حرجة” ضرورةً وجودية لضمان بقاء الأمة في دائرة الفعل الحضاري، لا مجرد ردّة فعل تتسم بالارتجال والتشتت.
لقد أثبتت المتغيرات الدولية أن القوة العسكرية وحدها، أو الثروة المادية دون ابتكار ورؤية استراتيجية، لم تعد كافية لحماية السيادة أو ضمان الاستقلال. فقد تآكلت المفاهيم التقليدية للقوة، ليصبح الأمن القومي الحديث مبنياً على “مناعة شاملة” تجمع بين استقلال القرار السياسي، والأمن الغذائي والمائي، والريادة التكنولوجية، بل وحتى القدرة على صياغة السرد الحضاري الخاص. المشكلة الجوهرية التي تواجه العقل الاستراتيجي العربي اليوم هي حالة “السيولة” في التحالفات الدولية، حيث تتداخل المصالح وتتضارب في لمح البصر، مما يجعل الثوابت نادرة والولاءات مشروطة. هذا الواقع المرير يفرض علينا، كمراكز فكر وأبحاث، أن نعيد تعريف “المصلحة العليا” من منظور جمعي، يرى في استقرار كل عاصمة عربية وحدة واحدة لا تتجزأ، لأن سقوط أي حلقة في السلسلة يهدد سلامة الجسد كله.
تملك الأمة العربية “مفاتيح العالم”: من طرق التجارة الدولية إلى احتياطيات الطاقة، وصولاً إلى ثروة بشرية شابة هي الأكبر عالمياً من حيث النسبة. لكن تحويل هذه “الجغرافيا الساكنة” إلى “قوة جيوبوليتيكية فاعلة” يتطلب جسراً من التكامل المؤسسي العميق، لا مجرد تصريحات سياسية تذبل مع أول اختبار. لماذا ينجح الآخرون في بناء تكتلات عابرة للقارات، بينما نراوح نحن مكاننا في ملفات التكامل الاقتصادي؟ الإجابة تكمن في ضرورة الانتقال من “التعاون البروتوكولي” إلى “الاندماج الاستراتيجي” في قطاعات حيوية كالتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، والصناعات الدفاعية المشتركة، وشبكات البنية التحتية العابرة للحدود، فضلاً عن توحيد التشريعات الاقتصادية وحرية تنقل رؤوس الأموال والكفاءات. إن غياب مثل هذا التكامل ليس خياراً، بل هو استسلامٌ ضمني لمنطق التجزئة الذي يخدم أعداء الأمة أكثر مما يخدم شعوبها. ولا بد من الاعتراف بأن الفرصة ما زالت سانحة، لكنها تتقلص يوماً بعد يوم، خاصة مع تسارع وتيرة التحالفات الإقليمية الجديدة التي تستثني العرب من أدوار صنع القرار. إن المستقبل لا ينتظر المترددين، بل يصنعه الواثقون بوحدتهم وقدرتهم على التأثير.
ولا ينفصل الأمن القومي عن “الأمن الثقافي”. فالمنطقة تتعرض لمحاولات حثيثة، بعضها خفي وبعضها جلي، لتفكيك الروابط الجامعة وصناعة هويات فرعية تُضعف الجسد الواحد وتشتت البوصلة. وهنا يبرز دور المؤسسات البحثية الرصينة في قيادة معركة الوعي، ليس بالشعارات الرنانة، بل بتقديم خطاب عقلاني رشيق، قادر على تفكيك الأطروحات الهدامة، وتقديم بديل فكري يستنهض الهمم ويستشرف المستقبل بيقين، مستفيداً من إرثنا الحضاري دون أن يكون أسيراً له. إن الثقافة ليست ترفاً، بل درعٌ واقيٌّ وهويةٌ جامعة، وغيابها يفتح الباب أمام سرديات غريبة تزرع الفتنة تحت غطاء التنوّع. ومن دون وعي جماعي، تصبح الشعوب فريسة للخطابات الشعبوية أو الانعزالية التي تُبعدها عن مصيرها المشترك، وتُفقدها القدرة على التمييز بين الصديق والحليف، وبين الخصم والمصلحة. ولذلك، فإن الاستثمار في العقول واللغة والتاريخ ليس رفاهية، بل هو جزء من استراتيجية البقاء.
إن استعادة المبادرة العربية تتطلب “إرادة المعرفة” قبل “إرادة القوة”. نحن بحاجة إلى مشروع نهضوي جامع، لا يكتفي بالتنظير، بل يترجم الأفكار إلى مؤسسات وإلى سياسات. مشروع يستوعب دروس الماضي دون أن يسجننا فيها، ويفهم تعقيدات الحاضر دون أن يُفقِدنا الأمل، ويستشرف آفاق المستقبل بجرأة وثبات. وإن “مركز العرب للأبحاث والدراسات”، بما يمثله من قيمة فكرية وإعلامية، وما يجمعه من عقول نيرة، هو المنصة الأنسب لبلورة هذا المشروع، وفتح آفاق الحوار البنّاء بين النخب السياسية والفكرية والاقتصادية، لصناعة “كتلة عربية” لا تكتفي بمشاهدة التاريخ وهو يُصنع، بل تشارك في كتابة فصوله بكل اقتدار وبراعة، لتكون شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المنطقة، لا مجرد متفرجٍ على أطلاله. فلا نهضة بلا وعي، ولا وعي بلا معرفة، ولا معرفة بلا مؤسساتٍ تحمل لواءها بثقة ومسؤولية.



