رأي

إدريس أحميد  يكتب.. تونس في مواجهة التحديات

بعد ما يُسمى بـ«الربيع العربي» الذي صُمّم ونُفّذ أميركيًا لنشر الفوضى الأخلاقية والسياسية، عاشت تونس فصولًا مؤلمةً من عدم الاستقرار. لكن روح التغيير والحرية والديمقراطية بقيت حاجةً ملحّةً لشعبها، رغبةً في التطور والبناء الحقيقي بالعلم والمعرفة والوعي الثقافي.

شهدت تونس ثورة شعبية استطاعت تجاوز المخططات الخارجية التي جاءت تحت شعار «مساعدة الشعوب»، بينما كانت في جوهرها تهدف لتفكيك الدول وإشغال المنطقة بمشاريع تخدم الكيان الصهيوني. لكن وعي الشعب التونسي، وتمسّكه بما حققه من منجزات حضارية، أهمها بناء الشخصية الوطنية التونسية، كان الدرع الحامي لمسيرة الدولة.

اقرأ أيضا: ليبيا في أسبوع.. توقيع 17 اتفاقية مع إيطاليا والبعثة الأممية تطالب بخريطة سياسية جديدة

انحراف الإسلام السياسي

بعد نجاح الثورة، قفز تيار الإسلام السياسي على تضحيات التوانسة الشرفاء. استُخدم الدين كأداة للسيطرة على المشهد السياسي، رغم أنّ المجتمع التونسي مسلم فعلًا لا قولًا، يمارس الدين بالحياة والعمل واحترام القانون، لا بالشعارات. وبدلًا من توحيد الصفوف، قامت حركة النهضة بتوظيف مؤسسات الدولة لمصالحها، وخلط الدين بالسياسة عبر ما يُعرف بـ«التقية» والنفاق السياسي، رغبةً في حكم الشعب.

وصل الأمر لتشكيل حكومات ضعيفة، واختيار رؤساء متحالفين معهم مثل المنصف المرزوقي، مقابل تهميش الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الذي تعامل بحكمة وحافظ على الدولة في مرحلة حساسة. كما صاغوا دستور 2014 ليضمن لهم النفوذ عبر نظام برلماني يُمكّنهم من اختيار رئيس الحكومة والسيطرة على المشهد، تاركين للرئيس صلاحيات محدودة.

الفوضى وشلل مؤسسات الدولة

حصلوا على مساعدات خارجية لكنها استُخدمت في شراء الذمم بدلًا من الاستثمار في التنمية، وأقصوا الكفاءات الوطنية غير المنتمية إليهم. فتحوّل مجلس نواب الشعب إلى ساحة للصراخ والعراك بدلًا من إصدار تشريعات، وعمّ عدم الاستقرار الحكومي. كل ذلك انعكس سلبًا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وأفقد الناس الثقة في جدوى العمل السياسي.

لحظة الحسم: قيس سعيّد يتحرك

أمام هذا الانسداد، أعطى الشارع التونسي الرئيس المنتخب قيس سعيّد الفرصة تلو الأخرى، باعتباره رمزًا للاستقلالية والصدق. وفي 25 يوليو 2021، وبعد مشاورات مع قيادات وطنية، أعلن سعيّد إجراءات استثنائية: تجميد البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي استنادًا للفصل 80 من الدستور، الذي يتيح للرئيس التحرك عند «خطر داهم». خطوة وُصفت بأنها «في الوقت الضائع» لإنقاذ البلاد.

الرئيس قيس سعيّد لم يكن مدعومًا من أحزاب، بل اعتمد على الشعب الذي انتخبه بنسبة تجاوزت 70%، فشكّلت إرادة الشارع التونسي درعًا أمام التدخلات الخارجية ومحاولات التشويش.

ملاحقات بالقانون دفاعًا عن الوطن

من ضمن الإجراءات المصيرية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد أيضًا، خوض معركة قانونية بشجاعة وشفافية، أسفرت عن كشف العديد من الجرائم السياسية والأمنية والاقتصادية بالأدلة والبراهين. هذه الخطوة سُجّلت لصالحه رغم حملات التشويش والكذب التي استهدفت نشر الفوضى، وكان القضاء التونسي بما يمتلكه من نزاهة وخبرة، حاميًا لهذا المسار.

حدث ذلك بينما فشلت منظمات حقوق الإنسان في الدفاع عن الشعوب المظلومة، خاصةً أمام الجرائم المرتكبة في فلسطين، وهو ما أفقدها مصداقيتها في نظر الكثيرين. لذلك، لم تُفلح محاولاتها للضغط من أجل حماية من تورطوا في إيذاء الشعب التونسي.

الديمقراطية الحقيقية لا تُختزل في الشعارات

الديمقراطية التي يريدها الشعب التونسي هي تلك التي انطلقت بثورة الياسمين؛ ثورة شعبية صنعها التوانسة بإرادتهم ورفضت التدخلات الخارجية. لكنها تعثّرت عندما قفز عليها الإخوان وحلفاؤهم، فحوّلوها إلى وسيلة نفوذ حزبي على حساب الوطن، حتى أوصلوا البلاد إلى أزمات اجتماعية واقتصادية واضحة.

ومع ذلك، اختار المواطن التونسي الأمن والاستقرار، ورضي بتحمل الصعاب من أجل الكرامة الوطنية. كرامة لا تُقاس بما يستهلكه الغرب من وجبات جاهزة، بل بما تنتجه الأرض التونسية من قمح وشعير وزيت زيتون وخضروات يعيش عليها الغرب نفسه.

الشعب التونسي هو الذي يُصدر العلماء والباحثين والكفاءات التي يتهافت عليها الخارج، وهو الذي ظل عبر تاريخه سندًا للقضايا العربية والإنسانية العادلة.

تونس اليوم: وعيٌ شعبي وإرادة وطنية

رغم الضغوطات الخارجية ومحاولات التشويش، ظل الوعي الشعبي هو الركيزة الأقوى. الغالبية العظمى من التوانسة يثقون في صدق الرئيس ونزاهته وصعوبة التحديات التي يواجهها، معتبرين أنّ ما يقوم به اليوم هو مسار لتصويب الديمقراطية لا تقويضها.

إنّ ما يجري اليوم في تونس ليس مجرد إجراءات مؤقتة، بل هو معركة وطنية لإعادة بناء الدولة على أسس من العدل والقانون، والحفاظ على سيادة تونس بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى