رأي

د. راندة فخر الدين تكتب.. اليوم العالمي للسلام: دعوة إنسانية متجددة

في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي للسلام، وهو مناسبة أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1981 لتكون دعوةً متجددة لوقف الحروب والاقتتال وتعزيز قيم التسامح والتعايش بين الشعوب. ويُفترض أن يكون هذا اليوم مساحة للتأمل في معنى السلام وأهمية نشره باعتباره حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان، وأساساً لبناء مستقبل أكثر عدلاً وأمناً.

ازدواجية المعايير وانتهاك الحق في السلام

لكن وعلى الرغم من قدسية هذه المناسبة ورمزيتها، لا يزال الواقع العالمي بعيداً عن هذه القيم. فالحروب ما تزال تفتك بالشعوب، والنزاعات المسلحة تتسع رقعتها من قارة إلى أخرى، فيما تستمر الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان بأبشع صورها. إن ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا الشعوب المقهورة تضع علامات استفهام كبيرة حول جدية المجتمع الدولي في إرساء العدالة وحماية الأبرياء.

ولعلّ فلسطين المحتلة تمثل النموذج الأوضح والأكثر إيلاماً لهذا التناقض. ففي أرض السلام، التي طالما كانت مهد الديانات ومركزاً للحضارات، يستمر العدوان السافر والاعتداء على حق الشعب الفلسطيني في الحياة والحرية. يُستهدف المدنيون العزّل، وتُقصف البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتُحاصر المدن، بينما يقف العالم في كثير من الأحيان موقف المتفرج أو المتناقض، بين بيانات الشجب والدعم غير المشروط للاحتلال.

معضلة الفيتو والنظام العالمي الجديد

وإذا ألقينا نظرة على هيكلية النظام الدولي، نجد أن منح حق النقض (الفيتو) لدول معينة داخل مجلس الأمن يظل أحد أبرز مظاهر الخلل في المنظومة الأممية. فكيف يمكن لدولةٍ متورطة في نزاعات وانتهاكات أن تمتلك سلطة تعطيل إرادة المجتمع الدولي بأسره؟ ومع التغيرات الجذرية التي يشهدها العالم اليوم، وبروز نظام متعدد الأقطاب بديلاً عن النظام أحادي القطب الذي ساد بعد الحرب الباردة، يصبح من غير المنطقي أن تظل إرادة البشرية أسيرة لخمس دول تتحكم في مصير الشعوب وتحدد مصير القرارات الدولية وفق مصالحها الخاصة.

مصر: حصن المنطقة وسند القضايا العادلة

وفي هذا السياق، يبرز الدور التاريخي لمصر، التي ظلت على مدار عقود حائط صد أمام المخططات الاستعمارية والتقسيمات السياسية التي تستهدف المنطقة. فمنذ ثورة يوليو وحتى اليوم، وقف قادة مصر في وجه المشاريع الاستعمارية، وساندوا قضايا التحرر الوطني.

وقد واصل الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا النهج، مؤكداً في كل المحافل أن محاربة الإرهاب واجب إنساني عالمي، وأن التصدي للكيان المحتل وخططه التوسعية لا ينفصل عن الدفاع عن استقرار المنطقة بأكملها. وعلى الرغم من الضغوط الهائلة ومحاولات ما يُعرف بـ “التخرش السياسي” – أي محاولات الاستفزاز والضغط الخارجي لجر مصر بعيداً عن مواقفها الوطنية الثابتة – ظلت القاهرة راسخة على مبادئها، داعية إلى سلام عادل يقوم على إنهاء الاحتلال واحترام حقوق الشعوب.

النساء والأطفال: الضحايا الدائمون للحروب

وفي خضم هذه الصراعات، تبقى النساء والأطفال هم الفئات الأكثر ضعفاً وتضرراً. إذ يدفعون الثمن الأكبر من الحروب عبر فقدان الأمان، والحرمان من التعليم، والنزوح القسري، فضلًا عن المعاناة النفسية والجسدية التي تترك آثاراً طويلة الأمد على حياتهم. السلام بالنسبة لهؤلاء ليس شعاراً أو أمنية، بل هو مسألة حياة أو موت.

نحو سلام عادل وشامل

إن الاحتفاء بيوم السلام العالمي يجب ألا يقتصر على كلمات رنانة أو فعاليات رمزية، بل ينبغي أن يتحول إلى موقف عملي جاد، يبدأ بمحاسبة من ينتهكون حقوق الإنسان، مروراً بإصلاح المنظومة الأممية، وانتهاءً بدعم جهود التنمية والعدالة الاجتماعية. فسلام بلا عدالة، ليس إلا هدنة مؤقتة سرعان ما تنهار.

فلنستحضر في هذا اليوم أن السلام ليس خياراً ثانوياً، بل هو ضرورة وجودية للإنسانية جمعاء، وأن تحقيقه يبدأ من الوقوف في وجه الظلم حيثما كان، ومنح الأمل للأجيال القادمة في عالمٍ أكثر إنصافاً وأمناً.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى